صنع المرايا

لا شك أن رغبة معرفة آلية صنع المرايا  قد جالت في ذهن الكثير من الناس، فالاستخدام المفرط  للمرآة قد يجعل هذا يحدث بصورةٍ تلقائية، فمثلًا لا يوجد منا من يقدر على الاستغناء عن النظر في المرآة ولو ليومٍ واحد، فالأمر ليس عادة فحسب، بل هو ضرورة قصوى، فبالنسبة للفتيات الأمر لا يقف عند حدود البيت فقط، بل يتعدى إلى خارج المنزل أيضًا، فغالبًا ما تجد مرآة صغيرة في حقيبة إحداهن تلازمها أينما ترحل، ربما علينا أن نسميها حينئذٍ صديقة الفتاة المقربة، ومن الغريب أن أداة في غاية الأهمية مثل المرآة، فإننا في الواقع نجهل عن كيفية صناعتها، أو عن تاريخها، لذا ففي الأسطر القادمة سنتحدث قليلًا عن صنع المرايا.

محتويات

كيف تصنع المرايا والزجاج عمومًا

ما هي المرآة؟

المرآة هي الأداة التي نستخدمها بشكلٍ يومي، وهي لا تستخدم فقط ككونها قطعة لرؤية انعكاس صورتك الشخصية عند النظر خلالها، ولكنها أيضًا تستخدم في العديد من المجالات في حياتنا اليومية، في القيادة، والطب، ومجالات السينما والتصوير، وغيرها من المجالات التي تلعب المرآة دورًا فيها، فهي على الرغم من كونها قطعة صغيرة ولكن استخداماتها كبيرة، كما أنها احتلت مكانةً كبيرة في مجال الفيزياء، والعلوم، والمرآة -علميًا- هي الأداة التي  لها القدرة على عكس الصور عن طريق عكس الضوء، حيث أنه قد تم صنع المرايا العادية ليتم استخدامها في وجود الضوء المرئي، وبالإضافة إلى قدرتها على عكس الضوء فهي تقوم بعكس الصوت أيضًا، ومن ثم فهي تحافظ على الكثير من صفاتهما الأصلية. وقد كثر صنع المرايا المسطحة، حيث تمثل أكثر أنواع المرايا استخدامًا.

أنواع المرايا

عندما نتحدث عن صنع المرايا ؛ فيجب عندها أن نتطرق إلى أنواعها المختلفة، حيث توجد أنواع مختلفة للمرايا، ولكل مرآة استخدامها الخاص، فمثلًا توجد “المرآة المستوية”، وتلك المرآة هي التي نجدها في معظم استخداماتنا في حياتنا اليومية، ويوجد أيضًا: “المرآة المقعرة”، والتي يتم استخداماتها في تكبير الأشياء، حيث تتمتع بقوة تضخيم كبيرة للأشياء، كما أنها يمكن صناعتها بأحجام كبيرة لتناسب استخداماتها، فقد يصل قطرها إلى 10 متر ومن أكثر المجالات التي تُستخدم فيها المرآة المقعرة هي مجالات الرصد الفلكي، ومن أشهر أنواع التلسكوبات: التلسكوب العظيم في تشيلي، وتلسكوب مرصد كيك في هاواي، أيضًا مرآة طبيب الأسنان، والمرايا التي تستخدم في مجال التجميل، مثل: الحلاقة، والمكياج. ومن أنواع المرايا الأخرى: “المرآة المحدبة” وهي أقل استخدامًا من بقية أنواع المرايا الأخرى، وتلك تستخدم في تصغير الأشياء، وتستخدم مثلًا في أماكن ركن السيارات، حيث يمكنها أن تعطي نطاقًا أوسع للرؤية بعكس المرايا العادية المسطحة، كما تستخدم في أنظمة الحماية، مثل الأجهزة التي تمنع سرقة الأشياء، حيث يمكنها عرض أكثر من زاوية في نفس الوقت، والمرايا الجانبية للسيارات.

– إعلانات –

أنواع أخرى من المرايا

هناك أنواعٌ أخرى للمرايا، ولكنها ليست معروفة مثل الأنواع الثلاثة الرئيسية لعدم تداول استخداماتها بين العامة، لذا فإن صنع المرايا ضمن هذه الأنواع ليس على نطاقٍ واسع، فمثلًا توجد “المرايا الصوتية”؛ وتلك تستخدم لتركيز أو لعكس الموجات الصوتية، وتوجد “المرايا النشطة”؛ ويُستخدم هذا النوع من المرايا في صناعة أقراص الليزر، وأيضًا “المرايا الباردة” و”والمرايا الساخنة”، حيث تعمل المرايا الباردة على السماح للأشعة تحت الحمراء بالنفاذ بكفاءة عالية، وتقوم بعكس الضوء المرئي، فيما تعمل المرايا الساخنة عكس هذا، حيث تقوم بعكس الأشعة تحت الحمراء، وتسمح فقط للأشعة العادية بالنفاذ. وهناك “مرايا الأشعة السينية”؛ وتلك التي تعطي انعكاسًا لامعًا براقًا للأشعة السينية، وهناك من الأنواع الأخرى أيضًا: “المرايا العكسوية، والمرايا الذرية، وعاكسات الزوايا”. ولكن –كما قلت- فإنها لا تُصنع في نطاقٍ واسع، أو لا نسمع عنها كثيرًا لأن استخداماتها ليست كاستخدامات غيرها من أنواع المرايا الأخرى.

نبذة تاريخية عن المرايا

إن أبسط أنواع المرايا التي استخدمت قديمًا كان الماء، حيث أن القدماء استخدموها لرؤية انعكاس صورتهم فيها، وهذا يُذكرنا بالأسطورة الشهيرة التي تتحدث عن النرجسية، والتي كان بطلها يتخذ صفحة الماء مرآة له ليرى نفسه فيها، بل ويعشق تلك الصورة التي يراها، وقد احتلت المرآة مكانةً عالية في بعض الحضارات القديمة، مثل الإغريق، والفينيقين، والرومان، والحضارة المصرية القديمة، فمثلًا عند القدماء المصريين كان يُعد توفير الرجل مرآةً، وزيت شعرٍ لزوجته؛ فكأنما قد أثبت أنه رجلًا مُحترمًا، قد التزم بواجباته اتجاه زوجته على أكمل وجه، كما أطلق المصريون على المرآة “ماء حر”، والتي تعني التأمل في الوجه. فبالطبع قد كانت المرآة معروفة قديمًا لقدم حاجة المرء إليها، ولكنها لم تكن موجودة –بالطبع- بتلك الصورة التي نعرفها اليوم، فقد كان صنع المرايا في البداية يتم عن طريق استخدام معادن براقة، كالبرونز مثلًا، حيث يتم صقل أحد وجهي البرونز حتى يمكن رؤية الصور بوضوحٍ من خلاله، وحتى يتم الحفاظ على الوجه مصقولًا؛ كان هذا الأمر يتطلب عناية خاصة سواء عند الاستخدام، أو عند التخزين، وكانت المرايا المعدنية قد وجدت حيزًا واسعًا في الفنون التطبيقية، فقد كان المسلمون العرب على سبيل المثال يهتمون بإكساب ظهر المرآة طابعًا من الفن والجمال، فربما لأن أكثر استخداماتها في هذا الوقت كان للتزيين، أو للمرأة على وجه الخصوص، فكان يجب أن يكون الطابع جماليًا أكثر من كونه عملي، هذا لا يُغني عن حب العرب أصلًا للعراقة والجمال، فلم يكن تزيين المرآة يقتصر فقط على ظهرها، بل كان يتم تزيين المقبض أيضًا، فكان هذا الأمر بمثابة الفن أو الحرفة، الذي كان يتم بكل إتقان، والمتاحف التاريخية زاخرة بالعديد من تلك النماذج.

صنع المرايا في إيران

قد وجد الفن طريقًا له أيضًا في صناعة المرايا في إيران، ولكن كان على نطاقٍ أوسع قليلًا، فالأمر لم يقف عند حدود النقش، فقد وجد في القرن الخامس الهجري مرايا مصنوعة من البرونز، والتي قد حفر على ظهرها شكل فارس على جواد، وبرفقته بعض كلاب الصيد، وقد فسره البعض بفارس الأحلام الذي قد ترغب فيه الفتاة، لأن المرآة هي صديقة الفتاة، أو هي التي صنعت من أجلها، وربما قد فسرها البعض هكذا لأنه ربما كان الصيد في هذا الوقت كان مهمة الرجال، أو الرياضة التي يمارسها النخبة، وأيضًا ظهر نموذجًا لمرآةٍ أخرى في إيران في القرن السادس الهجري، وهي أيضًا قد تم صنعها من البرونز، ويحتوي ظهرها على نقش، ورسوم، وأيضًا بعض الأدعية، أو الكتابات، فلم يقف الأمر على حد نقش الرسوم، بل والخط أيضًا، فمثلًا بعض المرايا قد زينت بسورة الفاتحة.

– إعلانات –

المرآة الزجاج قديمًا

قد استطاع صناع المرايا في البندقية من صنع أول مرآة من الزجاج، حيث كان يتم تغطية ظهر المرآة بطبقة رقيقة من الفضة، الأمر الذي جعل عملية حمل المرآة تكون بصورة أسهل وأخف مما كانت عليه في السابق، كما أنه كان قليل التكلفة، وفي نفس الوقت عالي الجودة؛ حيث أن جودة الصورة التي تعكسها المرآة الزجاجية –بالطبع- أفضل مما تقوم به المرايا المعدنية الأخرى، وقد اتخذ الفن في هذا الوقت منحنى آخر غير تزيين ظهر المرآة، أو النقش عليها، فقد ظهرت صيحة العلب الجميلة التي صنعت خصيصًا لوضع المرآة فيها، فمثلًا في القرن الثاني عشر الهجري، قد ظهرت واحدة من العلب الأولى والتي تمت صناعتها في إيران، وقد تم نقش عليها صورة لجارية مع آلة موسيقية تقوم بالعزف عليها، وكان إلى جوارها شاب مع آلة موسيقية أخرى، وعلى الرقم من أن الفن كان إسلاميًا في الأصل، إلا أن الروح الغربية الأوروبية قد ظهرت فيه، فتجسيم الأشخاص، ورسم الظلال والنور، وواقعية الرسم، كانت جميعها سمات تنم عن خلفية أوروبية، ربما كان صنع المرايا من أكثر العوامل التي ساعدت على تطور الفن التطبيقي على مر العصور، وسرعان ما انتشر صنع المرايا ، وانتشارها في أوروبا، فقد وجدت إقبالًا كبيرًا من النساء بالطبع، خاصةً لما تتميز به من جمال الزخارف، والفن البديع، وإتقان الصنع. وكانت المرايا في بادئ الأمر على الرغم من ضرورتها إلى أنها كانت تعد علامة على الثراء، فلم يكن بوسع الجميع اقتناء واحدة، خاصةً عندما كانت تظهر كقطعة فنية أصيلة، كأنما جاءت من متحفٍ ما!

الطرق المختلفة لـ صنع المرايا

توجد العديد من الطرق لصناعة المرايا، وسنقوم بالحديث عن كل واحدةٍ منها بطريقة مختصرة بعد إجمالها، فمن هذه الطرق: طريقة الزئبق، طريقة التفضيض، طريقة الألدهايد، وطريقة الطرطارات.

طريقة الزئبق

يتم  في هذه الطريقة تنظيف الزجاج عن طريق إسفنجة ناعمة يتم غسلها أولًا جيدًا بالماء، ثم الماء المقطر، ثم تنقع لمدة خمس دقائق في الكحول الإيثيلي، ومن ثم يتم مسح قطعة الزجاج بها جيدًا، ثم يتم رش الزجاج بمسحوق التلك، ثم يُمسح على الفور بقطعة ناعمة من الجوخ أوالحرير، حتى يتم التخلص من أثر المسحوق والكحول، وبهذا نحصل على طبقة نظيفة من الزجاج، وبعد هذا يتم أخذ طبقة رقيقة من مادة القصدير يتم وضعها على طبقة زجاج ملساء، ويتم مسح طبقة القصدير الموضوعة على الزجاج بالزئبق، حتى تتكون طبقتان متساويتان في السمك، طبقة من الزئبق تعلو طبقة من القصدير، ثم يتم وضع الزجاج الذي تم تنظيفه من البداية على مهلٍ فوق طبقة الزجاج الأخرى المصقولة بالزئبق، ويبقى لمدة 36 ساعة قبل أن نحصل نهائيًا على مرآة الزئبق.

طريقة التفضيض

وهذه الطريقة التي تُستعمل فيها الفضة كعنصر أساسي في صنع المرايا ، حيث يتم أخذ لوح من الزجاج وتنظيفه بنفس الطريقة السابق ذكرها، ثم يتم وضعه أفقيًا على منضدة من الخشب، أو طاولة حديدية يعلوها الصوف، وتكون درجة الحرارة 45 درجة، ثم يتم وضع مزيجًا من حمض الليمون، ونترات الفضة النشادرية، وبعد 30 دقيقة، نلاحظ ترسب الفضة على اللوح الزجاجي، ثم يتم تركه ليجف، ويتم تغطية المرآة بمزيجٍ من سيانيد الزئبق، وسيانيدالبوتاسيوم، والقليل من مسحوق التوتيا، حتى تصبح الفضة أكثر ثباتًا على الزجاج، وبهذا نحصل على مرآة الفضة.

طريقة الألدهيد

يتم تنظيف الزجاج بنفس الطريقة في كل مرة، ثم يتم وضعه أفقيًا على طاولة ثابتة، ويترك ليجف، ثم يوضع بشكل أفقي بحيث يتم إذابة حوالي 15جم من نترات الفضة، في حوالي 200 سم من الماء المقطر حتى يذوب تمامًا، ثم يتم إضافة إليه محلول النشادر، فيتكون بهذه الطريقة راسب تتم إزالته مع زيادة كمية النشادر المضافة، ثم يتم دهن الزجاج بهذا المحلول، ثم يتم دهن الزجاج مرة أخرى بمادة الألدهيد الإيثيلي، وهي مادة تساعد على ترسب الفضة، وتشكلها على شكل طبقة رقيقة، ثم يتم غسل الطبقة بالماء المقطر، ومن ثم يتم تركها لتجف دون محاولة لمسها، وبهذا نحصل على مرآة مصنوعة بطريقة الألدهيد.

طريقة الطرطارات

بعض تنظيف اللوح الزجاجي بالطريقة السابقة يتم وضعه على طاولة أفقية، مغطاة بالصوف، حتى تصل إليه الحرارة التي لا تزيد على 30 درجة، ومن ثم نقوم بإذابة حوالي 10 جرام منطرطارات البوتاسيوم والصوديوم، في حوالي 4 جرام من محلول هيدروكسيد الفضة النشادرية المركز حتى نتأكد من الذوبان، ثم يجفف المحلول، ويتم دهن الزجاج به، ثم تترسب الفضة على الزجاج وتلتصق به بعد حوالي ساعة، ثم يتم غسل الزجاج بالماء المقطر، ويترك ليجف بعيدًا عن الغبار، وبعد ذلك تدهن بطبقة مانعة لسقوط الفضة، أو التأثر بالعوامل الخارجية، وبهذا نحصل على المرآة المصنوعة بطريقة الطرطارات.

لا شك أن صنع المرايا على مر التاريخ لم يكن فقط  مجرد صناعة، بل أضافت الكثير في مجالات العلوم والفنون، فتطور، واختلاف طرق الصناعة، وأيضًا تطور الزخارف والنقوش على المرايا قد أضاف الكثير على كلٍ من المجالين الأمر الذي يجعل المرايا لها دور كبير، ولها حق الدراسة أيضًا!

اقرأ ايضا: