صنع الممحاة

لا شك أن صنع الممحاة من الأمور المبهمة، والتي لا يعرف الكثيرون عنها، وعلى الرغم من صغر حجم الممحاة، إلا أنها لا تقل أهمية عن باقي الأدوات الأخرى، أو عن القلم نفسه، كما أن أهميتها بالنسبة إلى الطفل الصغير لا تختلف عنها بالنسبة إلى الشخص البالغ، فلا يستطيع الفنان، أو المهندس، أو الكاتب الاستغناء عنها مثلًا، كما أنها تعتبر صديقة الطالب، فلا يوجد من لا يخطئ في الواقع، ولأن لكل اختراعٍ أهميته القصوى، فالممحاة تعتبر من تلك الاختراعات التي لها أهمية بالغة، لا يستطيع أحد إنكارها، لذا فإننا في هذا المقال سنتحدث قليلًا عن صنع الممحاة ، وعن بعض المعلومات حولها؛ لنتعرف أكثر على هذا الأداة الصغيرة العبقرية.

محتويات

ما هي الممحاة؟

الممحاة، أو الأستيكة، أو الجومة، جميعها مسميات تختص بتلك الأداة الصغيرة، التي لا يخلو منها أي مكتب، أو مقلمة، وهي أداة مكتبية، تستخدم لإزالة أثر القلم الرصاص الذي يُراد التخلص منه، أو لتعديل ما هو مكتوب بالقلم الرصاص، أو قد يستخدمها الرسام لإضافة إضاءة عالية لبعض المناطق، أو قد تستخدم للرسم نفسه، ويكون صنع الممحاة من المطاط الصناعي، أو من الفينيل الأبيض، أو من المواد البترولية كما في المحايات الحديثة، -والتي تم استبدال المواد البترولية بالمطاط، لما يتسبب فيه من حساسية للعديد من الناس- فهي غالبًا لمحو آثار القلم الرصاص، ولكن توجد محايات للحبر السائل، وللقلم الجاف، وهناك محايات لإزالة آثار الأقلام الناعمة، ومحايات لإزالة آثار الأقلام الصلبة. ويُمكن التعرف على جودة الممحاة إذا كانت سهلة الانزلاق على الورق، دون ترك خدوشٍ، أو آثار.

نبذة تاريخية قصيرة عن الممحاة

لا شك أن الحاجة إلى مسح الأخطاء الكتابية، أو تعديلها كانت موجود قبل اختراع الممحاة، وكانت أيضًا الحاجة إلى هذا الأمر ملحة، لذا كان من الطبيعي أن يتوصل المرء إلى طريقة لمحو أخطائه الكتابية، فمتى وجدت الكتابة، وُجدت الممحاة، فمثلًا في عصر الإمبراطور الياباني ميجي، كانوا يستخدمون كانوا يستخدمون قطع الخبز المرطبة بالماء كممحاة لمحو آثار الكتابة، وإعادة استخدام الألواح مرة أخرى، وقد استخدم اليونان والرومان ألواحًا قابلة للمسح، حتى يتم الكتابة عليها مرةً أخرى، وكانت تلك الألواح في أغلب المرء مصنوعة من الشمع الناعم، حيث يتم مسح ما بها من كتابات عن طريق الحجر الرملي. وأيضًا استخدمت أقراص الشمع، أو الحجر الخفاف لمحو آثار الكتابة على الورق البردي.

– إعلانات –

مخترع الممحاة

في عام 1770م، حدثت الكثير من التطورات التي غيرت في تاريخ الممحاة، فقد اكتشف المهندس الإنجليزي “إدوارد نارين” -عن طرق الصدفة- قدرة المطاط النباتي في مسح آثار القلم الرصاصي بطريقةٍ أفضل من الخبز، وفي نفس العام، في الخامس عشر من شهر نيسان، قام العالم الكيميائي “جوزيف بريستلي” بوصف قطعًا من المطاط، والتي تقوم بمحو آثار أقلام الرصاص بشكلٍ عبقري، وقد صرَّح أن “إدوارد نارين” كان يقوم ببيع هذا المطاط في ذاك الوقت، وقد أطلق على تلك القطع في هذا الوقت اسم “كاوتشوك”، ومن ثم فقد أطلق عليها فيما بعد الاسم المعروف “رابر”، ولكن على الرغم من فاعلية المطاط في إزالة آثار الجرافيت للقلم الرصاص، إلا أنه كان يحوي رائحة كريهة، إضافة إلى حساسية البعض من المطاط، وأيضًا كان سريع الاهتراء، وغير متماسك، مما جعل العالم الكيميائي “تشارليز جوديير” في عام 1839م، يتوصل إلى حل لهذه المشكلة، حيث توصل إلى معالجة المطاط كيميائيًا بمادة الكبريت، أي ما يعرف بـ”الكبرتة”، فعندما تم خلط المطاط مع الكبريت في درجة حرارة عالية، وبعد القيام بالتنظيف، فوجد أن الممحاة تحولت إلى مادة صلبة ولكنها لا زالت تحتفظ بمرونتها المعتادة، وهذا الأمر جعل المطاط أكثر تماسكًا، وأقل اهتراء مما يجعله أطول عمرًا.

الممحاة والقلم الرصاص

وفي عام 1858م، قام المهندس الأمريكي “هايمان ليبمان” باختراع الممحاة الصغيرة، التي توجد في القلم الرصاص، وقد اشترى هذا الاختراع فيما بعد رجل الأعمال، والمستثمر الأمريكي “جوزيف ريكيندورفر” بحوالي ما يقرب من 2 مليون دولار حاليًا، ومع الوقت انتشر هذا القلم المزود بالممحاة، وصارت له شعبية كبيرة، ولكن على الرغم من انتشار هذا القلم، ولكنه لم يعد اختراعًا، أو لم يتم عده ضمن براءات الاختراع، لما قضت به المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن الممحاة كانت موجودة من قبل، وكذلك القلم، لذا لم يتم عد مجرد تركيب الممحاة في القلم بالاختراع، وكان هذا من سوء حظ “جوزيف ريكيندورفر” بالطبع!

آلية عمل الممحاة

يقوم أساس عمل الممحاة على آلية “الفرك” والذي يقوم بتوليد حرارة تجعل الجرافيت المتولد عن القلم الرصاص دافئًا، فيقوم المطاط بالالتصاق بذرات الجرافيت الناتجة عن القلم الرصاص، عند تمرير المطاط فوقه، حيث تكون الممحاة المطاطية لاصقة أكثر من الورق، بحيث تمكن ذرات الجرافيت بالالتصاق بها أكثر من الورق، وبهذا يمكن للمطاط أن يزيل آثار القلم الرصاص بكفاءة. والممحاة المصنوعة من الفينيل هي من أكثر الأنواع جودة، حيث تتميز بليونة أكثر من المطاطية، -وكما ذكرنا- فإن جودة الممحاة تُحسب بقدرتها على الانزلاق فوق الورق دون ترك خدشٍ أو أثر.

أنواع الممحاة

توجد العديد من أنواع المحايات، حيث يتم صنع الممحاة وأنواعها خاصةً لتناسب احتياجات الرسم. فهناك “الممحاة العادية”، والتي تتوفر في جميع المكتبات، والتي يغلب استعمالها، وهي الأكثر شهرة بين أنواع المحايات الأخرى. وهناك “ممحاة العجينة” والتي يمكن التحكم في شكلها، حيث تتشكل بسهولة كما يتشكل العجين، فهي تشبه الصلصال، فيمكن تشكيلها بحجم صغير حتى تستطيع الوصول إلى الأماكن الصغيرة التي من الصعوبة مسحها بسهولة. وأيضًا “الممحاة القلم” وتلك تشبه في مادتها الممحاة العادية، ولكن مجيئها على هيئة قلم يساعد في الوصول إلى الأماكن الصغيرة، والتي لا يمكن للممحاة العادية الوصول إليها، وهناك “الممحاة الكهربائية” والتي تعمل على البطارية، وأيضًا يتم استخدامها في الزوايا الضيقة، والأماكن صعبة الوصول.

ممحاة القلم الجاف

ربما كان هناك الكثير من الجدل حول ما إن كانت ممحاة القلم الجاف موجودة فعلًا، أو أنها مجرد خدعة، فأنا مثلًا كنت أجد تلك الممحاة التي تحتوي على لونين الوردي لإزالة آثار القلم الرصاص، والأزرق للجاف، لا تستطيع إلا أن تمزق الورق بكفاءةٍ عالية، فكانت بالنسبة إلى محض خدعة، إلا أن المصادر على الإنترنت توضح وجود ممحاة بالفعل لإزالة آثار القلم الجاف على الورق، وهناك بعض الآراء التي تقول أن الجهة الزرقاء تقوم بمسح آثار القلم الجاف بجدارة، فعلى ما يبدو أني كنتُ أستعمل ممحاةً رديئة إن صح القول، كما أن تلك الآراء توضح أن حملة التشويه تلك ضد ممحاة القلم الجاف جاءت على الأرجح من شركات تصنيع “الكوركتر” أو “المصحح الأبيض”، ولكن هذه كلها محض آراء، أو تصورات. إلا أن هناك بعض أقلام الجاف، والتي تحتوي على ممحاة خاصة بها، فهي تمسح آثار هذا القلم فقط، وليس نوعًا آخر من الحبر. وفي ممحاة القلم التي تحتوي على جزأين أزرق لمحو الجاف، ووردي لمحو الرصاص، فإن الجزء الأزرق الخاص بمحو مادة القلم الجاف يحتوي على ذراتٍ من الزجاج الخفيف، وهو الذي يمنحها القدرة على محو الحبر.

– إعلانات –

صنع الممحاة المطاطية

تدخل العديد من المكونات في صنع الممحاة ، فتدخل في صناعته، الحشوات، والمواد المعالجة، والزيوت، وأهم عنصرٍ بالطبع، وهو المطاط الصناعي. وتبدأ عملية صنع الممحاة بوضع كمية من المطاط الصناعي في المطحنة، ثم يتم تمرير المطاط بين بكرات كبيرة ساخنة، وتستمر تلك العملية لفترة، ثم يتم إضافة الكميات المطاطية الباقية التي نتجت من آخر عملية إنتاج لإعادة تدويرها في الدفعة الجديدة، ثم يتم إضافة كمية من الكبريت، حتى يتم معالجة المطاط ليكون أكثر فعالية، وأقل اهتراءً –كما ذكرنا من قبل- وتستطيع المعجنات التي تتم إضافتها مساعدة الكبريت على أداء وظيفته، ثم تتم إضافة الصب الأحمر، ويمزج لمدة تتراوح بين الخمسة، والعشرة دقائق، حتى يتماسك المزيج، ليصبح قوامه مثل العجين القاسي، ثم يُضاف إلى العجين الزيت النباتي المُعالج بالكبريت، وأيضًا الزيت النباتي العادي، ويُضاف أيضًا إلى العجين كربونات الكالسيوم التي تكون كحشوة، بعد ذلك حين يُصبح لون المطاط وسمكه ملائمين، يتم إخراجه من قبل العمال، ويكون حينها ساخنًا ولينًا نتيجة تعرضه لعملية الطحن، وحينها يتم تركه في حرارة الغرفة العادية  لمدة نصف يومٍ حتى يقسو ويبرد، حين يُصبح المطاط جاهزًا تؤخذ منه مربعاتٍ كبيرة، بحيث يزن كلٌ منها حوالي خمسة أو ثماني كيلو جرامات، وهذا يكون وفقًا لسمك الممحاة التي طُلب صنعها وفق رغبة الزبون، ومن ثم فإنه يتم وضع تلك المربعات في مكبسٍ بخاري حتى تنضج في مدة عشرين دقيقة، وفي معدل حرارة تصل إلى 163 درجة مئوية، يساعد الضغط على جعل المطاط ناضجًا، بينما تجعل الحرارة العالية المطاط أكثر سمكًا، ثم يتم قص الأطراف الناتئة، ويُغمر في الماء البارد لإيقاف عملية المعالجة.

ما بعد عملية المعالجة

بعد عملية المعالجة، يتم إخراج المحايات من حمام الماء البارد، وتوضع في آلةٍ لقطع المحايات بأطرافٍ مائلة، وبعدها ترمى في برميلٍ كبير، وتضاف مادةٍ معينة، حتى لا تلتصق ببعضها البعض، ثم يترك البرميل ليدور لمدة تتراوح بين 3 أو 5 ساعات، وحين تتضارب كل ممحاة بأخرى أثناء الدواران تستدير الأطراف، كأن عملية تقليم تحصل، ثم تأتي مرحلة الطباعة، حيث تتم طباعة اسم الشركة، ورقم النموذج عن طريق آلةٍ أوتوماتيكية، ويكون هذا الأمر على كل ممحاةٍ على حدة، من الجيد أن نعرف أن المطاط ليس الذي يُعطي الممحاة القدرة على محو آثار القلم الرصاص فقط، بل إن الزيت النباتي هو الذي يُعطيها الكفاءة العالية على محو الرصاص، وهذا يُفسر سبب تفتت الممحاة حين يتم فركها على الورق، وحينها تزيل آثار قلم الرصاص على الورق.

صنع الممحاة لمحو الرصاص والحبر معًا

-كما ذكرنا- فإن الممحاة التي بها جزأين، أحدهما باللون الأزرق لمحو حبر القلم الجاف، والآخر بالوردي لمحو الرصاص، فإن الجزء الأزرق فيها يحتوي على ذراتٍ من الزجاج الخفيف، وهو يستطيع منحها القدرة على محو الحبر. ولصنع هذه الممحاة؛ يتم قطع مساحاتٍ مائلة من مجموعتين من المطاط الوردي والأزرق، ثم تُربط كل قطعةٍ وردية بواحدةٍ زرقاء، حتى يتم إنشاء ممحاةٍ من لونين، وتوضع بعد ذلك في مكبس البخار، بعد اثني عشر دقيقة يقوم العامل بإخراج الصواني ويتم تهذيب الزوائد، ويقوم العامل بتغطيس القطعة المطاطية في الماء البارد لإيقاف عملية المعالجة، ثم تقوم آلة أوتوماتيكية بتقطيع المحايات إلى قطعٍ صغيرة بحجم الممحاة العادية التي يتم استعمالها.

هكذا يتم صنع الممحاة ، وعلى الرغم من انتشار أجهزة الحاسوب، والأدوات الإلكترونية، وتحول الكتابة والرسم إلى الطريقة الإلكترونية، إلا أن الممحاة ستظل رفيقة المرء لا يمكن الاستغناء عنها، كما لا يمكن الاستغناء عن الورقة، والقلم!

اقرأ ايضا: