أمهات-يتشبّهن-ببناتهن.jpg
أمهات يتشبّهن ببناتهن

غيرة.. عصرية.. أم هروب من الزمن؟!

«طبّ الجرّة على تمها تطلع البنت لأمها»، بمعنى أنه مهما اختلفت حيثيات وطريقة التربية، فإنَّ البنت ستشبه أمها حتماً. ولكن اليوم، بحسب الكثير من الدراسات والمشابهات، يبدو أننا سنترك الجرّة كما هي، لأنَّ المعادلة انقلبت رأسا على عقب، حيث باتت الأم تتأثَّر بابنتها، وفي بعض الأحيان تقلِّدها بالذهاب إلى المقاهي والاهتمام بالأزياء ومتابعة كلِّ جديد في التجميل، وحتى في استحضار مفردات عصرية جداً، وهنا السؤال: مَن تربِّي مَن؛ وبصورة أخرى مَن التي تقلِّد وتقتدي بالأخرى؟..

> مشاعر الغيرة
أيام زمان كانت الفتيات الصغيرات يقلِّدن أمهاتهن دوماً، وكانت الأم هي المثل الأعلى والقدوة التي تستلهم منها البنت أسلوبها في الحياة وطرق التفكير وكيفية التعامل مع ما يحيط بها، وكانت البنت كثيراً ما تتمنَّى أن تصبح مثل أمها في سلوكها وحنانها والتزامها.. لكن، تخيَّلوا أن تنقلب هذه المعادلة كُلياً!.
سحر، أمٌّ تجاوزت الأربعين عاماً، تقلِّد ابنتها في الملبس، وتراهن في سباق لا يتوقَّف أبداً مع الزمن على البقاء شابة، لاهثة خلف آخر الموديلات والصرعات، ورغم تجاوزها سن المراهقة بكثير، سيصعب التمييز بينها وبين ابنتها التي بدأت تشعر بأنَّ أمها تغار منها!. تبرير الأم كان دائماً أنَّ الظروف حرمتها من التمتُّع بالحياة، وهذا حقٌّ من حقوقها، ولا ترى في ذلك عيباً. ويفسِّر الدكتور تيسير حسون (اختصاصي طب نفسي) هذه الحالة بقوله: «قد تكون غيرة الأم من ابنتها أحد أشكال هذا الاختلاف في المفاهيم بين الأجيال، فالأم تحاول تقليد ابنتها في اللباس أو بعض السلوكات أو المقتنيات التي لم تكن موجودة في عصرها، أو كمحاولة منها للتصابي ومواجهة عامل الزمن الذي أخذ يجرفها بعيداً عن الجمال ومتطلبات العصر، أو خوفاً من أن تُتَّهم بأنها تقليدية ولا تجاري روح الشباب».
ويوافقه الرأي الدكتور جورج قسيس (اختصاصي اجتماعي) حيث يعتبر أنَّ «غيرة الأم من ابنتها طبيعية في مرحلة الصبا التي تمرُّ بها البنت، إذا لم تتخطَّ مستواها الطبيعي وتتحوَّل إلى صراع، فالأم ترغب في أن تكون صغيرة وأن تستعيد شبابها وتحظى بوسائل الترفيه التي لم تكن موجودة في عصرها، وهذا يتطلَّب من الفتاة تفهُّمَ هذه الاحتياجات واحترام والدتها، وقد تكون محاولة بناء علاقة من الصداقة والصراحة بين الطرفين كحل أمثل لإذابة هذه الاختلافات في وجهات النظر، إلا أنَّ عنصر الاختلاف في الذوق والسلوك هو أمر مطلوب عند الطرفين ليعيش كلُّ طرف المرحلة العمرية التي هو فيها بشكل مناسب، دون مبالغة أو إسفاف، كمحاولة الأم التصابي المبالغ فيه الذي لا ينسجم مع عمرها ومع العادات المتَّبعة»..

> أمٌّ.. «موديرن»
أيام زمان كانت البنت تقلِّد أمها، فيفيض المنزل بالحب والراحة والاستقرار. أما الآن، فـ«زمان أول تحوَّل».. دلال، فتاة تجاوزت 20 عاماً، تقول إنَّ أمها تقلِّدها لدرجة أنها تخجل من الخروج معها، حيث بات من الصعب على أغلب الناس التمييز بينها وبين أمها، معتقدين أنهما صديقتان، ويبقى التساؤل: ماذا لو تحوَّلت البنت إلى قدوة لأمها؛ ماذا ستكون النتيجة، وكيف يمكننا التغلُّب على هذا الأمر؟.. يقول الدكتور حسام السعيد (اختصاصي اجتماعي): «الأم اليوم ليست ذاتها أمّ الأمس التي كانت حبيسة البيت ولا دور لها سوى أنها زوجة وأمّ؛ فبعد أن نالت المرأة قسطاً وافراً من التعليم وخرجت إلى الحياة العامة لتسهم مساهمة فاعلة في بناء المجتمع، باتت العناية بمظهرها أمر ضروري. أما مبالغة بعض الأمهات في ذلك بما لا يتناسب وأعمارهن، فهي أمر مرفوض، خاصة في ارتياد المقاهي، حيث باتت تهجر منزلها لفترات طويلة». ويؤكِّد محمد رزوق، وهو صاحب متجر يبيع الألبسة النسائية، أنَّ الظاهرة موجودة بقوة، وأنَّ الأمهات لا يجدن أيَّ مشكلة في شراء ما تجرِّبه بناتهن، أو شراء ما يشبهه، ويحدث أنَّ تجرِّب الفتاة ملابس معيَّنة ولا تشتري شيئاً منها، لأنها لم تعجبها، فتشتريها الأم عوضاً عنها. ويرى رزوق أنَّ «الأمهات يسعين إلى الظهور بعمر أصغر من أعمارهن، ويلبسن الألوان الفاقعة مثل بناتهن تماماً. وليس نادراً أن تدخل الأم لتشتري لابنتها فتخرج بحوائج لها، بينما تبقى البنت خالية الوفاض». لا تخفي فاتن، وهي أمّ أربعينية، أنها تفتح خزانة ابنتها (25 عاماً) بين الحين والآخر لتختار لنفسها شيئاً من فساتينها لتخرج بها من البيت، معتبرة أنَّ «الأمر طبيعي، ما دمنا أنا وابنتي نلبس مقاساً واحداً، وبمقدورنا تبادل ما في خزانتينا.. نحن لا نتبادل الفساتين فقط، وإنما البلوزات والأحذية، وحتى الإكسسوارات. وإن كنت أستعير منها أكثر مما تستعير مني».. وعن رأي ابنتها في الأمر، قالت إنها «تنزعج أحياناً لأنها لا تريد لأحد أن يتقاسم معها ملابسها». وتبرِّر فاتن الأمّ استعارتها ملابس ابنتها بأنَّ «ابنتي تحبُّ التسوّق، ويحلو لها أن تمضي وقتاً طويلاً في شراء الملابس، بينما أنا لا أجد هذا المتَّسع لأشتري لنفسي. في هذه الحالة أستفيد من خبرتها لأطلب منها أن تشتري لي معها، أو أستعير منها ما أنا بحاجة إليه، على اعتبار أنه لا فرق بيننا، وذوقها يعجبني ويناسبني، ولا أجد مشكلة في أن نتشابه في بعض الأحيان، لكنني أبقى أمّاً على المستوى اليومي، وتبادل الملابس أحياناً لا يعني على الإطلاق أن نتبادل الأدوار أيضا»، معترفة بأنَّ ثمة مبالغات عند بعض الأمهات، وما يشبه التصابي الذي يكون في غير محلّه، وتعتقد في الوقت نفسه أنَّ حالتها غير ذلك أبداً.

> وللحجاب حصة..
من الظواهر التي يمكن أن تلفت الانتباه، والتي تتعلَّق بتشبُّه الأمهات ببناتهن، هي ارتداء الأم للحجاب تيمُّناً بابنتها، فالأم في كثير من الأحيان تعمل على تقليد ابنتها، حتى لو كانت مجبرة على ذلك. تقول سلوى: «أنا أمّ أمضيت حياتي أواكب الموضة في اللباس إلى أن قرَّرت ابنتي الكبرى ارتداء الحجاب بعد أن تزوَّجت شاباً من أسرة محافظة، ولم يكن أمامي خيار إلا أن أرتدي الحجاب مثل ابنتي خوفاً من نقد عائلة زوج ابنتي لها ولي، على الرغم من أنني لم أفكِّر في ذلك قبلاً». وعن هذا تقول رشا بطيري، إنَّ هذه الحالة تعبِّر عن خوف من المجتمع ومحاولة من الأم أن تكون المثالية في نظر زوج ابنتها وابنتها. ويوافقها الرأي الدكتورالنفسي تيسير حسون بقوله، إنَّ الضغط الاجتماعي يلعب دوراً كبيراً في ارتداء الأم للحجاب تقليداً لابنتها، معتبراً أنَّ هذه الخطوة محاولة من الأم لتكون مقبولة في المجتمع الجديد الذي اندمجت فيه ابنتها.

> للإعلام يد في قلب الموازين
يبدو أنَّ بعضهم يعيد هذه الظاهرة إلى أنَّ بعض الملابس باتت صالحة لمختلف الأعمار، وحتى ما هو صالح للشبان قد تلبسه الشابات، مثل بعض القمصان أو بنطلونات الجينز.
المحللة النفسية رشا بطيري لا تنظر إلى الأمر بالعين نفسها، وتؤكِّد أنها تستقبل في عيادتها فتيات يعانين بالفعل من مشكلات حادة مع أمهاتهن، لأنهن لا يعرفن إذا كانت هذه المرأة هي أم فعلاً أم تلعب دور الأخت التي تريد أن تنافس ابنتها في الجمال والشباب، وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن الخطر داخل الأسرة..
وتشرح بطيري: «يروِّج الإعلام حالياً لآيديولوجيا تدعم ما نسمِّيه قضية المرأة بشكل عام، وهناك ترويج لفكرة «ابقين سعيدات، ابقين شابات» وكلُّ الإعلانات تصبُّ لتغذية هذه المقولة».
وتضيف بطيري: «لو أعطينا مثلاً إعلاناً واحداً يعرفه الناس، ويشاهدونه على الشاشات يروِّج لمحل مجوهرات، فسنجد أنَّ المرأة تستعمل في الإعلان عبارة «أنا أشتهي» لتعبِّر عن رغبتها في الشراء واقتناء الحلي. المرأة باتت المستهلك الأول في العالم والإعلانات توقظ فيها رغبات دفينة قديمة».
ويوافقها الرأي الاختصاصي الاجتماعي قسيس بقوله: «في عمر الثلاثين كانت المرأة تشعر وكأن العمر قد انتهى، لكن الآيديولوجيا الجديدة باتت تقول لها، إنَّ لك حقاً وعندك رغبات، وعليك أن تلبِّي نداءها.. وضياع المرأة وهي تبحث عن تلبية رغباتها المكبوتة يجعلها لا تعرف لمن تعطي الأولوية؛ للأم القابعة فيها التي يفترض أن تضحِّي من أجل أولادها، أم للمرأة الأنثى التي يجب أن تبقى جميلة ومزهرة؟»..
قسيس يقول إنَّ المستويين موجودان باستمرار عند النساء، لكن ترتيبهما ليس بسيطاً، وكلما زاد إحساس المرأة بأنها يجب أن تكون مرغوبة وخارج العمر، تتعقَّد الأمور.
أما الخطر، بحسب ما تشرحه المحللة النفسية رشا بطيري، فهو ليس على الأمّ بقدر ما هو على البنات. تقول: «نحن في العيادات النفسية نلمس مشكلات كبيرة جداً عند الفتيات بسبب هذا الخلط في الأدوار عند الأمهات اللواتي لم يعدن يعرفن أنَّ عليهن أن يتراجعن خطوات قليلة إلى الوراء، ويراعين بناتهن وحاجتهن»، مضيفة: «نحن لسنا ضد رغبات المرأة، بل على العكس، لكننا ضد الخلط في الأدوار الذي يؤدِّي إلى وضع أسري غير صحي على الإطلاق».
بطيري إن» الأم تبقى العنصر الاساسي في التنشئة السليمة لذا عليها أن تعي أهمية دورها في رعاية ابنائها خاصة بسبب تأثيرها بالغ الاهمية على البنات لانتمائهما إلى الجنس نفسه والذي تتطابق فيه الكثير من النزاعات والاحتياجات.، حيث نجد بالمقابل أن الأم في بعض الأحيان تسارع مثلا إلى تغير نمط لباسها حتى تبدو في نظر المجتمع أمّاً مثالية كأن تقوم بارتداء الحجاب في حال بادرت ابنتها إلى فعل ذلك حتى لو تكن الفكرة موجودة في ذهنها سابقاً، سعياً منها لتظهر بمظهر القدوة لابنتها أما م المجتمع وأمام زوجها»
مضيفة إلا أنه ومهما تطورت الحياة وانتقلت من حال إلى حال يبقى للأم دورها البليغ في تشكيل شخصية بناتها ولهذا يتعين على الام أن تتقرب من ابنتها وتتعامل معها كصديقة وفق طريقتها وأسلوبها كأن تبادر في أخذ مشورتها ببعض الالبسة أو تسريحة شعر وقد تتبادل معها بعض الاحتياجات مثل العطر أو المكياج كمبادرة بناءة لتكسب ثقة ابنتها «

> دراسة
يبدو أنَّ محاولة تقليد الأمهات باتت حالة منتشرة ومؤكَّدة، وقد توصّلت مجلة «كونسومر بيهيفير» الأمريكية مؤخراً إلى هذه النتيجة، ما أثار استغراب المتخصِّصين الذين كانوا يركِّزون بشكل أساسي على تأثير الأهل على الأولاد وأصبحوا يدركون اليوم أنَّ عليهم لتسويق منتجاتهم فِهم تأثير الأولاد على الأهل حين يشبّون وتصبح لهم شخصيتهم المستقلة. وتقول الدراسة التي أجريت على 343 أمَّاً شاركن مع بناتهن (تتراوح أعمار المشاركات بين 16 و44 سنة) إنَّ واحدة من كل أربع أمهات تشعر بأنَّ لابنتها نمطها الخاص، وأنها لا تزال هي نفسها تتمتَّع بالشباب، وتنحو إلى تقليد ابنتها في اللباس كما في استخدام المنتجات التجميلية. أما بالنسبة إلى الفتيات اللواتي يشعرن بأنهن يبدون أكبر من مثيلاتهن في أعمارهن فإنَّ 9 في المئة منهن فقط يتأثَّرن بأسلوب أمهاتهن في اللباس. لكننا لا نعلم كم تتقارب هذه الدراسات مع واقعنا العربي ذي الخصوصية البالغة، في ظلِّ غياب دراسات سيكولوجية عربية تكشف الأمر!!.

> تيار غربي جارف ..
دراسات حديثة توصَّلت إلى نتيجة مفادها أنَّ تلك العلاقة الحميمة التي تربط الأم بابنتها قد أخذت طابعاً تنافسياً لا يخلو من صراع، وهذا ما أكَّده أيضاً الدكتور توفيق داوود (إختصاصي اجتماعي)، معتبراً أنَّ هذا الصراع غير هدام، بل بنّاء إلى حد ما، وذلك من أجل تطور الطرفين، مبيِّناً أنه «في مجتمعنا ذي الخصوصية الكبيرة وإذا ما استبعدنا الدراسات الغربية المختلفة لاختلاف واقع مجتمعنا وتركيبته الاجتماعية والنفسية عن مثيله في الغرب، بمقدورنا القول إنَّ تأثير الأم في شخصية ابنتها لايزال قوياً إلى درجة تشكيل هذه الشخصية كما في السابق. أما السؤال الأهم، فهو كيف يمكن للأم العصرية أن تجاري مظاهر التغيير الحالية وأن تقي ابنتها الانزلاق في مساربها الخطرة؟»..
ويضيف داوود: «في المقابل، يمكن أن تأخذ العلاقة بين الأم وابنتها طابعاً عكسياً؛ بمعنى أنَّ البنت هي التي قد تؤثِّر في أمها، وإلا كيف نفسِّر ميل بعض الأمهات نحو محاكاة بناتهن في طريقة لباسهن واتباعهن لصرعات الموضة وارتياد المقاهي، خاصة أنَّ الأمهات لم يعشن هذه المظاهر في أيامهن السابقة».

> خطوط حمراء
بالنسبة إلى محاولة البنات ثني الأمهات عن التمادي في تقليدهن أو تصغير أنفسهن من خلال اللباس، يقول محمد رزوق، إنه يواجهه ذلك أثناء بيعه الملابس، فغالباً ما تقول الفتاة لأمها إنَّ الفستان الذي اختارته لا يناسب سنَّها أو إنه كاشف أكثر مما يجب، لكن الأمهات يشرحن بأنهن سيتدبَّرن أمرهن بلبس شيء ما تحته لستر ما يلزم». الدكتورة بطيري تجد أنَّ الزوج يلعب دوراً سلبياً، حين يتطرَّف ويصرُّ على أن تبقى زوجته وهي في الأربعين أو الخمسين كما كانت في العشرين، ويشجّعها على إجراء عمليات التجميل، أو حين يذهب معها عند الطبيب ليحدِّد له المواصفات التي يرغبها في زوجته، في النهاية كلّ هذا الخلط بات ينعكس سلباً على البنات. فهن اللواتي يعانين أكثر من باقي أفراد العائلة». ويوافقها الاختصاصي الاجتماعي قسيس على ذلك، معتبراً أنَّ «تقليد الأم لابنتها يعود إلى أمرين؛ إما نتيجة مطالبة الأزواج لهن بالتجديد تحت طائلة التهديد بالزواج من أخريات أو احتيالاً على خطوط الزمن التي أخذت تزحف على وجوههن». التداخل بين دور الأم والأنثى المرغوبة، هو وضع تعاني المرأة منه في كلِّ مكان في العالم، وبهذا الخصوص يقول توفيق داوود (الاختصاصي الاجتماعي): إن العالم العربي، تتفاقم فيه هذه الظاهرة بشكل كبير للغاية، والسبب هو أنَّ مجتمعنا فاقد لتوازنه في هذا المجال».

اقرأ ايضا: