q9.jpg

إتقان اللغة الأم مفتاح الثقة بالنفس

قد تكون الكتابة عن الأُسر التي تتحدّث مع أولادها لغة أجنبيّة بدل العربية، الموضوع الأسهل في لبنان. ففي كلّ منطقة وفي كلّ زاوية ثمة أهل يستعملون الفرنسيةّ أو الإنكليزية لمخاطبة أولادهم، صار من السهل التقاء صغار لم يبلغوا عشر سنوات، وهم رغم صغرهم يجاهرون بكرههم للغة الضاد أكانت الفصحى أم اللهجات المحكية… الصغار الذين جعلوا العربية لغة يومياتهم يتحولون إلى حالات فردية «نافرة» ولافتة للنظر

 

ليال حداد
تصرّ الجدّة السبعينية على أن يلعب حفيدها بهدوء، تحدثه بلغة إنكليزية ركيكة جداً «تيتا بلاي نوسي نوسي نوت سترونغ»، تسكتها ابنتها لينا خوفاً من «الجرصة» وتطلب بدورها من ابنها الهدوء «Rawad stop playing we have guests». لينا الشبطيني تخاطب ابنها بالإنكليزية «ليدخل إلى المدرسة ولغته الأجنبية ممتازة»، كما أنّ أولاد الجيران يتحدّثون اللغة نفسها «يعني هيك ما بيستغرب ولا محلّ». ولكن ماذا عن اللغة العربية؟ ببساطة «لا لزوم لها في هذا الزمن» ترد الشبطيني بحزم. لينا أصرّت على حذف اللغة العربية من قاموس التعاطي مع الصغير رغم أن والده لا يجيد لغة أجنبية«صرنا أنا ورواد عم نتعلّم سوا، «it s ok».

تتنوّع القصص والحجج، وتتمحور في معظمها حول «الحضارة والثقافة والتقدّم» ، والحجة غير المعلنة تتعلق بالـ «prestige» الضروري للاندماج بالمجتمع ولتأمين أصدقاء «مرتّبين وكلاس».

ليليان مطر لا تفهم الانتقادات التي توجه إليها عندما تتحدّث مع ابنتها كلوي بالفرنسية، فهذه اللغة معتمدة في الحضانة التي ترتادها الصغيرة «شو بنتي أقل من أولاد العالم؟»، وتذكّر ليليان بتاريخ اللبناني المنفتح على الغرب، و «تقدّم لبنان ، أحياناً لا يصدق الأجانب أننا عرب»، لذلك ربما ما زالت كلوي الصغيرة تجهل وجود اللغة العربية.
تنفعل الدكتورة نجلاء بشور حين تتحدّث عن هذه «الظاهرة المقرفة والمتخلّفة»، وتلفت «تربوياً، التحدّث باللغة الأم مع الطفل يؤّمن له الاستقرار والأمان، ويساعد في نموّه بشكل صحي». وتؤكّد بشّور (الباحثة وأستاذة علوم التربية في الجامعة الأميركية في بيروت) أنّ معرفة الطفل بلغته تساعده على تعزيز ثقته بنفسه «فالولد يتعلّم بشكل أفضل كلما زادت ثقته بنفسه، واللغة هي المفعّل الأساسي لهذه الثقة لأنها تربطه مباشرة بمحيطه»، وتضيف إن الدراسات العالمية عن اللغة الأم وتأثيرها على الأولاد، جميعها أثبتت أن إجادة الولد للغته تساعده على تعلّم باقي اللغات.

إضافة إلى عامل الثقة، يشعر الطفل الذي لا يتحدث اللغة الأم بغربة عن محيطه، كما سيشعر بعدم الانتماء إلى أهله الذين يتحدّثون معه لغة أجنبية ويتحدّثون فيما بينهم لغة أخرى.

أما الحديث عن ارتباط اللغة الأجنبية بالتحضر، فقد أثار سخرية بشور، قالت ضاحكة «حين يرفض الإنسان لغته ويستبدلها بلغة شعب أكثر تقدماً وحضارة بنظره، فهو يقرّ بأنه متخلّف، ويرى أن حضارته ليست بمستوى الحضارات العالمية».
وتذكّر بشور بما كتبه الأميركي جورج موريسون بأنه«ليس ما هو مذلّ ومحطّ للإنسان قدر تعليم الأطفال لغة أجنبية لتأخذ مكان لغتهم الأم»، كما أنها ترفض الحجة القائلة بأن استعمال اللغة الأجنبية يساعد على تأمين مقعد للطفل في مدرسة مهمّة، إذ ترى أن تعليم اللغات الأجنبية هو من مهمة المدرسة.

لا ينكر بعض الأهالي أن انحيازهم للغة الأجنبية يعكس بالنسبة إليهم خياراً سياسياً، فالتبعية للغرب حالة إيجابية كما تقول صوفيا منذر، فهي تفضل أن ينتمي ابنها كيفين إلى أميركا أو أوروبا بدل انتمائه إلى عالم عربي «متخلّف»، فـ«العالم العربي غير متحضّر، بينما الغرب وصل إلى الفضاء، وهو الوحيد يلي سأل عن لبنان».

الارتباط الثقافي يالغرب تراه بشور ظاهرة «منظّمة»، وتلفت إلى أن أدب الأطفال الرائج حالياً مترجم، وفي هذا الإطار توجّه اللوم إلى المؤسسات التربوية المتماهية مع «القرار السياسي»، «السياسات التربوية في لبنان مرتبكة، وغير واثقة بنفسها، لذلك تعتمد اللغات الأجنبية». وتستشهد بشور بما قاله النائب العربي عزمي بشارة عن أن كلّ المدارس والجامعات في إسرائيل تعلّم كل موادّها باللغة العبرية، «فلنتعلّم من أعدائنا، لأنّ هذا الضياع في اللغة سيؤدّي إلى ضياع في الهوية العربية».

للغة العربية دورٌ أساسي في تنمية المجتمع. وقد أكّد تقرير الأمم المتّحدة للتنمية البشرية في العالم العربي الصادر عام 2003 أن اللغة العربية قادرة على استيعاب تعبيرات عصر المعلوماتية، وشدّد على أهميّة تعريب التعليم «لتنمية القدرات الذهنية والملكات الإبداعية لدى الجيل الجديد من العرب بلغتهم الأصلية». وأكّد ضرورة أن يتعلّم الشباب العرب «التفكير النقدي بلغتهم الأم».


الصحة العامة –


تطوير الذات

اقرأ ايضا: