إعترافات ساحرة اسكتلندية-media-2

 

خلال رحلاتي إلى اسكتلندا، اشتريت كتاباً بعنوان ” الساحرات الاسكتلنديات ” يُفرد عدة صفحات لـ (أيزوبيل جودي) من بين عمليات مطاردة الساحرات في القرنين الـ 16 و17 ؛ حيث أعُدم حرقًا أعداد لا حصر لها منهن في المدن الاسكتلندية على الأعواد بتهم الهرطقة وممارسة الشعوذة،  وقد برزت حالة (جودي) بسبب الطابع التطوعي لإعترافها والكم الوفير من المعلومات الذي قدمته.

لقد روت جودي تفصيلًا — وكانت من (أولديرن) — كيف طارت هي وعشرات الساحرات الأخريات إلى إجتماعاتهن في منتصف الليل وهن يركبن نبات السمَّار وقش الذرة حيث زعموا أنهم سحروا هذه النباتات حتى تطير بتعويذة إبليس.
وتقول جودي أنها ذهبت أيضاً في رحلات إلى أرض الجنيات وادَّعت أنها قد تعلمت كثيراً من سحرها على يد الجنيات ، وقالت إنها هي وساحرات أخريات قمن بإثارة عواصف من خلال ترديد تعاويذ أثناء دق قطعة قماش مبللة على صخرة.
ففي اعترافها الثاني الذي سُجل في مخطوطة إنجليزية قديمة يطلَق عليها «يد الأمين»، نجد : “ عندما نثير الرياح، نأخذ قطعة من القماش ونبللها بالماء، ثم نمسك بمطرقة خشبية وندق قطعة القماش فوق صخرة، ونقول ثلاث مرات ونحن ندق قطعة القماش على هذه الصخرة، أنا أثير الرياح باسم الشيطان، ولن تهدأ إلا عندما أريد مرة أخرى ولنهدئ الرياح، نجفف قطعة القماش ونقول نحن نهدئ الرياح باسم الشيطان وتثور متى أردنا أو أردت إثارتها مرة أخرى، وإذا لم تهدأ الرياح على الفور فإننا نستدعي الشبح التابع لنا ونقول له أيها اللص أيها اللص استحضر الرياح واجعلها نحن ليس لنا سلطة على الأمطار لكننا سنثير الرياح عندما نريد، لقد جعلنا نؤمن بعدم وجود إله فوقه “.

بالإضافة إلى ذلك، قالت جودي أن الساحرات كنَّ يسحرن الأطفال من خلال إلحاق إصابات بدُمًى مصنوعةٍ من الطمي، ويدمِّرنَ محاصيل المزارعين من خلال إخراج جثة طفل غير مُعمَّد من قبرها ودفنها في كومة السماد، وما إلى ذلك وعندما كانت الساحرات يَشعرنَ بالملل، كن يُحوِّلنَ أنفسهن إلى حيوانات ، على سبيل المثال، لكي تتحول جودي إلى قطة تردد 3 مرات: ” سأتحول إلى قطة، كئيبة سوداء اللون ويعلو جسدها علامة، وسأتحول باسم إبليس، وأنا عائدة إلى المنزل ” .

كان النشاط الجنسي محوريًّا في اجتماع الساحرات؛ فادَّعت جودي أنها أقامت في اجتماعهن في منتصف الليل علاقة مع إبليس قوي البنية وعدة شياطين. حتى إنها تؤكد أنها أقامت علاقة مع أحد عشاقها الشياطين وهي راقدة على سريرها، وزوجها نائم بجوارها وأيدت ساحرة أخرى العناصر الأساسية في قصة جودي، وهن (جانيت و(برِيدهيد)، وأشارت الاثنتان معًا إلى أكثر من 30 ساحرة أخرى في اعترافاتهما، ولكن لا يوجد أي سجل عن مصير هؤلاء الأشخاص. ويُفترض على نطاق واسع أن جودي و(برِيدهيد) قد حُكم عليهما على الأقل بالإعدام.
تفسيرات وتحليلات 
يتساءل الباحثون حالياً عن كيفية تفسير مزاعم جودي ، حيث رأى (مونتاج سامرز) — أحد المؤمنين بالسحر الحقيقي — أن قصتها «حقيقية بالفعل»، ورثى فقط عدم القدرة على تحديد قائد اجتماع الساحرات ! ، وعلى النحو نفسه إلى حدٍّ ما، قال المتشكك (أوين راكليف) أن إبليس كان بالفعل قائد اجتماع الساحرات في زي تنكري، وكان يرتدي الحذاء عاليَ الرقبة الذي يشبه الحافر المشقو، وإن المخدرات قد سببت الشعور بالتحليق، وهكذا إلى آخره ، ومن ناحية أخرى قال البعض إن جودي ربما أصيبت بالجنون وهو ما أَطلق عليه (والتر سكوت) «نوع خاص من الجنون».

إلا أنني أعتقد أن وجهات النظر هذه تمثل الانقسام الزائف نفسه — الاختيار بين تصديق أن التجارب حقيقية (أو على الأقل ممثَّلة) أو التفكير في أن المدعي مجنون — وهو عادةً الخيار المطروح الذي نجده في تفسير روايات اختطاف المزعوم من قبل الكائنات الفضائية للبشر. وكما نعلم حاليًّا، فإن معظم المخطوفين المدعين عقلاء وطبيعيون لكن لديهم سمات تدل على ميلهم للتخيل، إلى جانب التفكير في السحر والهلاوس الشائعة.

إن التفكير في الأمور السحرية الذي تبادر إلى ذهن جودي وغيرها موجود في كل مكان، وليس مصادفةً، و أن السحر والتعاويذ التي ألقتها «الساحرات» كانت ببساطة شائعة في التراث الاسكتلندي ، فدق قطعة قماش مبللة فوق صخرة من أجل إثارة عاصفة هو مثال واحد فقط على استخدام السحر الخارق للتلاعب بقوى الطبيعة، واستخدام الدمى كبدائل للبشر مثال آخر.، وإن  إيمان الساحرات من أمثال جودي بأن هذه الأساليب فعالة يُعد بالكاد دليلًا على أنها كذلك، بل ويشير إلى أنهنَّ أخذن بعين الاعتبار— أو أعدن تفسير النجاحات الظاهرية أياً كانت، بينما استبعدن التفسير المنطقي لأية إخفاقات. هذا هو تأثير ما يطلَق عليه التحيز التأكيدي.
أما فيما يتعلق بلقاءات جودي الجنسية الشيطانية، فربما تكون مجرد أوهام نابعة من الكبت الجنسي؛ فمن الواضح أن جودي كانت زوجة لمزارع فظ، ليس لديها أطفال وتشعر بالملل وفي الواقع، إن وصفها لممارسة الجنس مع شيطان في سريرها يبدو مثل الإشاعات القديمة عن زيارات الأرواح الشريرة ، أي شياطين العصور الوسطى التي كانت تأتي في الليل لتقيم علاقة مع النساء.
والآن نفهم أن هذه الروح الشريرة كانت نتاج الخيال، مثل زوار الليل الآخرين من الأشباح والملائكة ومصاصي الدماء والكائنات الفضائية، التي تظهر في «أحلام اليقظة».
وكما أوضحنا سابقًا، فإن هذه هلاوس بسيطة تحدث في الفترة بين النوم والاستيقاظ، وتبدو واضحة وواقعية بدرجة كبيرة بالمثل، فإن قصص الساحرات عن «الطيران» ربما تكون نتيجة لتجارب الخروج من الجسد، وهذه الظاهرة هي نوع آخر من تجارب الهذيان ويُطلَق عليها أيضًا الإسقاط النجمي، والمقصود منها ترك الجسم والتحليق أو الطيران. وعادةً «يبدو المرء قادرًا على السفر إلى أماكن بعيدة على سطح الأرض أو في عوالم غير أرضية أو إدراكها حسيًّا» ، ومن هذا العالم — لا شك — انطلقت رحلة جودي إلى أرض الجنيات. وما زال يُعلَن في أحيان كثيرة عن تجارب الخروج من الجسد، حيث يؤمن ربع البالغين في الغرب بأنهم يمرون بمثل هذه التجربة، ويمكن أن تحدث بينما يكون الإنسان مستيقظاً أو نائماً وفي ظروف معينة، مثل الشعور بالضغط.
من الواضح أن التفكير في الأمور السحرية وأحلام اليقظة وتجارب الخروج من الجسد ترتبط جميعها بالشخصية التي تميل إلى الخيال، كما أوضح ويلسون وباربر (1983) في دراستهما الكلاسيكية. وكذا الحال فيما يتعلق بالميل إلى الحصول على رفقاء خياليين، مثل صديق غير مرئي، أو ملاك حارس، أو مسئول اتصال فضائي، أو ما شابه؛ فقد قالت جودي إن كل واحدة من الساحرات «كان لها شبح يقوم على خدمتنا، عندما نريد أن نستدعيَه».
ولم يدرِ أي شخص في عصر جودي ماذا يفهمون من تجاربها التي أعلنت عنها، حتى هي فيما يبدو. وحتى يومنا هذا، لا يزال كثيرون منشغلين بالتفكير في الأمور السحرية ويؤمنون بالقوى الخارقة، ومنها السحر ، ولحسن الحظ، ينظر البعض الآخر منا من ناحية أخرى إلى العلم والمنطق، فيسعَوْن إلى فهم العالم الطبيعي الحقيقي الذي نعيش فيه بالفعل.
المصدر
– مقتطف من مقال ألغاز اسكتلندا للباحث جو نيكل أثناء حضوره مؤتمر( تساءل .. ابحث .. اكتشف ) للمشككين عام 2012 في إنجلترا وجرى نشر المقال الكامل في مجلة سكيبتيكال إنكوايرر، المجلد 37، العدد 3 – مايو / يونيو 2013

 

 

اقرأ ايضا: