احلام

الحلم لغة إنسانية عالمية، لكنها مع ذلك لغة ذاتية إلى أبعد الحدود. فمن الصعب جدًا على الحالم أن يعيد صياغة حلمه بدقة وبذاتية رؤيته له. فالحلم لغة باطنة، أي إنه ليس لغة تعبيرية قاصرة على نقل معلومات معينة، بل لغة تفعيلية شكل جملها ورموزها أفعال وتحولات على مستوى النفس الإنسانية. وعندما نفك رموز الأحلام اعتمادًا على معارفنا الحالية، نجد أنفسنا أمام عملية نفسانية معقدة تسبر أغوار النفس وتحولاتها الديناميكية وتعيد مجمل العناصر الحلمية إلى شخصية الحالم.

ومع ذلك، فإن هذه العناصر نفسها تتكرر في أحلام أشخاص مختلفين عبر أزمنة وأمكنة متباعدة. ويسبر علم النفس عالم الأحلام ليستخلص من الرموز والصور الحلمية النماذج البدئية العامة التي لا يختص بها زمان أو مكان. وتشكّل هذه النماذج البدئية اللغة الأم ككل لغة تعبيرية. وهكذا، نجد إلى ما وراء لغة الحلم الذاتية، المعنى الفاعل والمحرّض لتفتح المواهب والقدرات الإنسانية الكامنة. وبالتالي، كان التعامل مع الأحلام يندرج عبر التاريخ تحت أنماط مختلفة بحسب مراحل التفتح النفسي التي مرّت بها الشعوب. ولاشك أن هذا التزاوج بين الحلم الذاتي والأنماط الحلمية العامة يشير إلى التوافق بين الصيرورة الداخلية الفردية والمؤثرات الجمعية عليها. ويعكس ذلك، شكل مواز للتوازن النفسي الذي يعطيه الحلم للحالم، توازنًا أوسع وأعمق على مستوى الجماعة، عندما تظهر أنماط حلمية عامة، وتتأكد من ثم أحلام الأفراد من خلال توافقها النمطي مع أحلام الجماعة.

يقودنا ذلك إلى التساؤل حول وجود أنماط حلمية عامة على مستوى الشعوب وعبر المراحل الثقافية المختلفة؛ فإلى أي حدّ يمكن لثقافة أن تنحت نمطها الحلمي، وإلى أي حد ينعكس تفتح اللاوعي وتواتر الأحلام عبر مرحلة معينة في بلورة وبناء البنية الثقافية. تحتاج الإجابة على مثل هذا السؤال إلى جهود وأبحاث واسعة، وحسبنا أن نطرح السؤال، ونحاول البحث عن نقاط سابرة للخلفية الجمعية التي تستوعب الخبرات الباطنة للإنسانية ككل وتدرجها في تراتبية جمعية وفردية بحسب الحالات والأزمنة لتظهر كأنماط حلمية أو رؤيوية.

الصور الرمزية للأحلام:

ترى، هل تطورت لغة الحلم عبر العصور؟ وهل تختلف أحلام الإنسان القديم عن أحلام الإنسان الحديث؟ ومن أين تنبثق رموز أحلامنا الجديدة؟ وكيف يتوافق المعنى الكامن من لاوعينا مع رمزية الصور المأخوذة من حياتنا المعاصرة؟ أفلا يعبّر هذا التوافق عن وحدة عالمي الظاهر والباطن وعن التفتح المشترك العميق للغتي الحلم والواقع؟

تبين نظرة فاحصة، من خلال العلوم النفسانية والتاريخية والأنتروبولوجية، أن الصور الرمزية للأحلام تُشتق غالبًا من العصور القديمة، بل وحتى ما قبل التاريخية. فنحن مثلاً نجد الكثير من الصور والرموز، التي لاتزال تزور أحلامنا، في أساطير الماضي. وينتمي بعض هذه الرموز إلى بدايات تطور البشريات، إذ يحتفظ اللاوعي الجمعي أولى همسات الوعي الطبيعي الكامن المدرك لوجوده. ومثال ذلك صورة الأرض الواسعة والممتدة. إنها صورة أنثوية غالبًا، فيها من جاذبية الأفق الشواشي بقدر ما تمثّل حالة الاستقرار والعطاء. إنها الألوهة التي أخصبها الحب فأنبتت. وترجع هذه الصورة على الأقل إلى نحو مائة ألف سنة، أي إلى فترة ظهور سلفنا المباشر الإنسان العاقل sapien sapien. وكمثال على صورة أحدث نذكر المحراث، وهي صورة ترجع إلى نمو عشرة آلاف سنة. وقد دخلت هذه الأداة إلى لاوعينا كرمز للإخصاب، ولازالت حتى اليوم تحفظ هذا المعنى.

إن الصور الطبيعية كانت أولى الرموز التي تأصّلت في لاوعينا كنماذج بدئية أساسية. وفي الحقيقة، فإننا لانستطيع بحال من الأحوال الفصل بين البيئة الطبيعية ورمزيتها الحلمية. فنحن لانستطيع تمييز النموذج البدئي الذي أبدع الشكل الطبيعي عن النموذج البدئي الذي تفتح فينا كرمز حلمي! والحق إن الوعي الجمعي الكامن هو في الجوهر مبدع الواقع الطبيعي والعالم الحلمي معًا. ويمكننا أن نعدد الكثير من هذه النماذج البدئية – الرموز الطبيعية الأولى، وبخاصة تلك التي تعامل معها الإنسان القديم بشكل مباشر، كالجبل والسهل والصخر والشجر وأنواع الحيوانات والكهف والنار والشمس والقمر والنجوم، والأب والأم، وأعضاء الجسم الإنساني، والبحر والريح والمطر والسحاب والفيضان والجفاف والثمار، والألوان المختلفة كالزرقة والخضرة والسواد والبياض … إلخ. إن هذا الغيض غير المنتهي يشكل اللغة الأولى التي تواصل معها الإنسان القديم عبر الشكل الواقعي كما وعبر الرمز الحلمي.

كذلك اكتسبت بعض أدواتنا معان رمزية في أحلامنا منذ عصور سحيقة، كالعصا والسهم والحربة والمقلاع والحبل وجلود الحيوانات والإبرة والأدوات الحادة والقاطعة والمشغل ثم القنديل والشمعة والموقد. وترجع كافة هذه الرموز إلى عشرات آلاف السنين، ويمكننا أن نلاحظ تطور بعضها مع بدايات عصر الزراعة والتدجين والاستقرار، حيث دخلت أدوات جديدة على حياتنا اليومية وبالتالي إلى مفردات لاوعينا الجمعي. ونعدد منها السور والبيت والحصن والقرية والمدينة والمعبد واللوح الكتابي والرق والعجلة والعربة وأدوات الزراعة كالمحراث والمعول والمنجل واللجام، وأسلحة القتال كالسيف والخنجر والحربة والرمح، وأدوات البيت كالمقعد والطاولة والسرير وأدوات الطعام والملابس والمغزل والنول وأدوات الموسيقا وأدوات الزينة كالأساور والعقود والأقراط إلخ. وخلال مراحل تالية، ظهرت مع تطور المدنيّات والممالك تعقيدات حياتية سرعان ما تطابقت مع نماذج بيئية في اللاوعي الإنساني مما أدى إلى استمرار تفتح وتوسع اللغة الحلمية كما والإبداعات النفسية-العقلية على حد سواء، ونذكر من هذه الرموز المراكب والصواري والأشرعة والقوافل والجيوش والأبنية الضخمة كالزقرات والأهرامات والأقنية والطرق المعبدة والسلالم والملاعب والأسواق المكتظة إلخ.

لقد انبثقت عبر هذه المراحل الطويلة رموز كانت بالمقابل آتية من عالم الداخل أولاً لتعبّر عن توق داخلي لتحقيق قيم الحياة الإنسانية. ولهذا اكتست هذه الرموز صورًا معقدة ومركبة من أشكال العالم الخارجي ولاشك أن تواحد الإنسان القديم مع الطبيعة كان أحد المعاملات الرئيسية في تفتح هذه الدوافع، كالتوق للطيران أو للغوص أو للتحول إلى مختلف أشكال الإنسان البدئي الكامل. ورموز الحيوانات الأرضية المجنحة من الأمثلة الواضحة في هذا السياق، مثل الأسد المجنح أو الحصار المجنح. وكان لهذه الرموز أحيانًا رأس بشري كما في أبي الهول المصري. ويندرج حلم البساط الطائر في هذا السياق أيضًا حيث يشير إلى القدرة الكامنة في العالم الأرضي على الطيران. وبالمقابل، نجد في رمزية الإنسان-السمكة وأحلام الغوص في المياه أو الشواش، أو التنقيب في الأعماق الطينية والصخرية رموزًا كتوق مماثل للمعرفة والتواحد مع المحيط الأول.

اقرأ ايضا: