احلام

 

 

قبل أن نعرض إلى مناهج تفسير الأحلام في الحضارات القديمة، لابد لنا أن نتأمل هذا التواحد الذي كان سائدًا في القديم بين الحلم والواقع. فتفسيرات الأحلام القديمة كان يستمد مادته من امتلاء وواقعية الرموز الحية. ولهذا كان لابد من رسالة يحملها الحلم. وكان على المفسِّر أن يعرفها ويحددها. ويعكس ذلك النفسانية العامة التي كانت سائدة في المجتمعات، والتي لاتزال سائدة في مجتمعات كثيرة اليوم، حيث تستحوذ فكرة معرفة المستقبل أو الغيب على الأنماط التفسيرية. ولهذا نجد أن الحالم ومفسِّر الأحلام كانا ينتميان إلى حلقة نفسانية واحدة. وبما أن الحلم يشكل جزءًا لايتجزأ من الحياة، فقد كان على المفسِّر أن يكون قادرًا باستمرار على التواصل النفسي مع الحالم ومع البيئة التي ينتمي إليها. ولهذا لم يكن أي شخص بقادر على تفسير حلم أي شخص آخر. ونجد مثال هذا التواحد مع الحالم وحلمه ومعرفة تفسيره بشكل واقعي صحيح في ملحمة جلجامش. فقد حلم الملك مرات عديدة إن الجبل الذي كان يقف عليه مع صديقه إنكيدو قد انهار. وتبين لنا الأسطورة أن والدة جلجامش كانت كاهنة ضليعة في تفسير الأحلام، وكان معنى الحلم إنه سيغلب عدوه.

كان القدماء يأخذون إذن بحقيقة الحلم ومعناه الواقعي. لكن مع تطور مقدرات الإنسان النفسية والذهنية أصبح أكثر قدرة على التواصل مع صور النماذج البيئية في لاوعيه، مع عقلنتها وتلطيفها، مما أعطاها شيئًا من التجريد عن الواقع الملموس لتصبح أكثر مساسًا بحياته الداخلية، ونلحظ ذلك بشكل واضح مع أرطميدوروس والقرون الميلادية التالية له.

إن كتب ووثائق التفاسير القديمة، الشعبية منها بشكل خاص، تحفظ لنا بقايا صور النماذج البدئية Archétypes التي لم تكن مفهومة تمامًا في غالب الأحيان، بل ومبهمة في أحيان كثيرة. وقد حفظت لنا بعض هذه التفاسير جزءًا من الحقيقة في هذا الخليط المتناقض بين الرمز والمعنى المنسوب له. فقد لامست بعض مفاتيح تفسير الأحلام القديمة العلاقة الكامنة بين الصور الرمزية والنفسانية، مما أعطى التفسير الواقعي بعدًا ذاتيًا.

كلما غصنا في أصول الصورة الجمعية، اكتشفنا تتاليًا لاينتهي ظاهريًا من النماذج البدئية التي لم تكن لتسترعي الانتباه قبل العصر الحديث. ولهذا فإننا نعرف حول رمزية الأسطورة والحلم أكثر من أي جيل سبقنا. وفي الحقيقة، كان أناس الماضي لايتفكرون برموزهم، بل كانوا يعيشون ويتأثرون بمعاني هذه الرموز دون وعي منهم.

ويمكننا القول إن هذا التماهي مع الرموز، أي عدم تمايز نفسانية الإنسان بشكل واضح عن الطبيعة، هو الذي جعله يحيا صوره الحلمية بشكل واقعي، وينتظر أن يكون لها دائمًا تحقق ملموس.

اقرأ ايضا: