احلام

إن المسافة التي تفصلنا عن الماضي كبيرة، بحيث أنه بات من الصعب علينا فهم المعاني التي كانت تُفسَّر بها الأحلام فهمًا دقيقًا، وذلك على الرغم من الاكتشافات الهامة جدًا في مجال وثائق التدوينات الحلمية. والسبب الرئيسي لذلك في رأينا أن بنيتنا النفسية تغيرت إلى حد كبير عن بنية إنسان الماضي.

لقد ارتبط تفسير الأحلام القديم في معظم الحضارات بالفنون التنجيمية الأخرى. ففي بابل، لم يكن مفتاح الأحلام لينفصل عن الموروث التنبؤي الأكادي، لا بالترتيب العام ولا بطريقة تدوين النبوءة. وكان مفسّر الأحلام، الأسير للشكل الخاص بالطرق الأخرى في التنبؤ مثل قراءة الكبد الحيواني أو الزيت أو حركات الطيور أو مواقع النجوم إلخ، يقوم بمماثلة المعطيات الحلمية بمعطيات العلوم التنجيمية الأخرى. وهكذا كان العراف البابلي يحاول دائمًا مكاملة الرمز الحلمي مهما كان غريبًا ومدهشًا في أطر العالم الموضوعي. وينطبق هذا الأمر إلى حد كبير على الكاهن المصري أو على الحكيم الصيني.

ومن جهة أخرى، عنيت أمم كثيرة نذكر منها الهندية والفارسية والبابلية والمصرية والكمبودية والصينية بأوقات الأحلام. ومن المدهش الاتفاق فيما بينها على أن أحلام الفجر تكون الأقرب إلى التحقق. ويرى الفرس أن ثمة أيامًا معينة من الشهر القمري هي الأنسب لرؤية الحلم الحقيقي. ولكل يوم من أيام الشهر عندهم تأثيره على التفسير وعلى تحقق الحلم. أما في الصين، فكان على المفسِّر أن يأخذ بعين الاعتبار السنة والفصل ووضع الأرض والسماء ويحدد أنفاس الين واليانغ مع أخذ القمر والشمس والنجوم بعين الاعتبار من أجل تفسير الحلم. ويعكس ذلك نظرة الصينيين الفلسفية لكلية الوجود.

نشير أيضًا إلى اهتمام القدماء بحماية أنفسهم من الأحلام. فالحلم الذي يكشف للإنسان المصري ما يخبئه له المستقبل من معوقات يجعله يلجأ إلى القوى السحرية للتخلص منها عندما يستيقظ. فالدخول إلى عالم الحلم عند المصريين هي لحظة دخول إلى عالم الشواش، ولهذا على المصري أن يتخذ الاحتياطات كأن يأخذ معه الآلهة مثل نيت Nieth.

وبحسب المنظور الديني البابلي تُعدّ كل تجربة في عالم الأحلام خطرة. ولهذا، كان ثمة أهمية فائقة منذ أقدم العصور السومرية “لتحرير” الطاقة السحرية المركزة في الحلم. ويُعبَّر عن هذا التحرير في الطقوس البابلية بفعل “شارو” الذي يعني حرر (من الشر أو الخطيئة) كما ويعني فسّر وشرح! وهكذا، كان سرد حلم على أحدهم هو الطريقة الأكمل للتحرر ذاتيًا ولإبعاد الآثار السلبية للتجربة الحلمية. أما في الهند فنجد موروثًا كاملاً للحماية من الأحلام السيئة. فالنوم بعد الحلم يلغي الحلم. ولهذا عند رؤية حلم سيء يجب على الحالم أن يصلي ويعود للنوم. وربما كان اليابانيون هم الوحيدون الذين شككوا بضرورة أو بفعالية طرق التخلص من نتائج أحلامهم. لكنهم بالمقابل كانوا يلجأون إلى طريقة لجعل أحلامهم سعيدة، فيضعون تحت وساداتهم صورة طقسية خاصة.

سنحاول فيما يلي أن نعرض باختصار شديد لأهم طرق تفسير الأحلام في الحضارات القديمة التي وصلنا منها وثائق وفهارس خاصة بهذا الأمر. ونهدف من عرضنا هذا إلى إعطاء فكرة عن طريقة فهم الإنسان القديم للحلم مقارنة مع فهمنا الحالي له.

كان ثمة عدة تقنيات لتفسير الأحلام في مصر. وكان أهمها التلاعب بالألفاظ ومدلولاتها، أو ربط الأفكار بالاعتماد على لفظتي كلمتين. كذلك كان يتم الربط رمزيًا بين الحلم وتفسيره، ومثال ذلك أن رمز الثعبان يعني وفرة المؤن، لأن إلهة الوفرة الزراعية هي الثعبان. أما تفسير الحلم بعكسه فكان تقنية أندر استخدامًا. وتكشف لنا التفاسير المصرية عن الحاجات والتطلعات التي كان المصريون يعيشونها: فهم كانوا يخشون السرقة والسجن وفقدان الوظيفة، وكانوا على المستوى الشخصي يخشون الآلام والموت والمرض والحياة القصيرة والبؤس. ويعكس ذلك نفسانية مرهقة بسبب الفقر الهائل الذي كانت تعيشه طبقة عامة. ومقارنة بالأحلام الكمبودية مثلاً نجد أن تفاسير الكمبوديين كانت بمعظمها لصالح الإنسان، ويشير ذلك إلى راحة نفسانية وفرتها إمكانية عيش مقبول وقابل للتحسن.

أما التفسير البابلي للأحلام فكان يتم بواسطة جداول خاصة. وكان واضع هذه الجداول لايتردد باختراع المزيد منها ليستنفد كافة الاحتمالات الممكنة. ولهذا كانت قائمته تصويرًا للواقعين الحسي والتحليلي معًا. ومع ذلك فإن هذا المسرد ما كان ليكفي دون وجود العراف القادر على فهم الرسالة الإلهية. وتثبت المفردات المستخدمة صلة الحلم البابلي بالعالم السفلي، الأمر الذي يتوافق مع كون الإله المرسل للأحلام هو الإله الشمس قائد نفوس الموتى في الليل. وكما الأمر بالنسبة للمصريين، فإن جداول الأحلام تصف اهتمامات وحاجات البابليين، وتُظهر اهتمامًا خاصًا بالحصول على الأطفال وعلى المناصب والثروة، وهي تعكس أيضًا الخوف من المرض والمصائب، وتدل على نفسانية أكثر استقرارًا وأكثر تعلقًا بالحياة الدنيا.

إن الأحلام الكنعانية-الفينيقية التي وصلتنا قليلة جدًا وهي تتصل بالأسطورة مباشرة، وتعبر عن الاهتمام بالدورة الزراعية. ففي أحد النصوص الأوغاريتية نجد أن الإله إيل يحلم أن عليان بعل سيعود من الموت بعد أن خلصته الإلهة عنات. وتلك إشارة إلى أن السموات ستمطر سمنًا والوديان ستسيل عسلاً. وعلى الرغم من عدم توفر وثائق لتفاسير الأحلام الكنعانية، لكننا يمكن أن نستنتج من دراسة الأساطير، بل والموروث الآرامي والسرياني والعربي في المنطقة، أصول التفاسير البعيدة في بلاد الشام عمومًا، والتي كانت ترتبط كما يبدو بحياة زراعية غنية ونفسانية متوازنة في تطلعاتها المعيشية والروحية.

أما في الهند، فقد مرّت التفاسير بعدة مراحل تبين بوضوح تطور مفهوم الحلم وتفسيره خلالها. ويرجع أقدم تفاسير الأحلام الهندية إلى الفيدا. ونجد فيه وصفًا لنفسانيات الأفراد بحسب طبائعهم. فمثلاً: يرى أصحاب الطبع الدموي في أحلامهم مشاهد جبال وأراض وغابات تعصف فيها الرياح، وعددًا من الكواكب والنجوم المعتمة، والقمر وقد فقد نوره. في حين أن أصحاب الطبع الأكثر برودة يرون مشاهد أكثر اعتدالاً، إلخ. ونلحظ في هذه الرمزية إشارات تعليمية حول طبيعة النفس أكثر منها تفاسير للأحلام. والحق أن الحضارة الهندية تميزت بهذه التعاليم المهذبة للنفس فانعكست على مجمل الحياة الإنسانية. ومع ذلك، نجد أن الأحلام خلال مرحلة أحدث استقلت عن طبائع البشر وأفسحت مجالاً للأحلام القادمة من أعماق النفس، وذلك عبر رسائل الآلهة. ويتواتر ذكر الأحلام في الأدب الهندي، كما في ملحمتي المهابهاراتا والرامايانا. وتتكرر في بعض القصص الشعبية الشبيهة بألف ليلة وليلة الأحلام التي يرى فيها أمير فتاة في نومه فيغرم بها فيبحث عنها حتى يصل إليها. وتحفظ هذه الأحلام الأدبية المعاني التي تعبر عن مراحل بحث الإنسان الهندي عن المعرفة وعن توقه إلى اللامحدود. وهكذا يتحول تفسير الحلم في الهند إلى ممارسة سرانية، كما في مدرسة كشمير Trika. ويُعدّ الحديث عن الأحلام الهندية مدخلاً إلى دراسة أحلام الرؤى والتحقق وتفاسيرها وبخاصة في البوذية الهندية والصينية، وسنعود إلى هذه النقطة لاحقًا.

وينطبق ما ذكرناه عن التفسير الهندي على الأحلام الصينية إلى حد كبير. كانت الأحلام الصينية تُصنَّف قديمًا وفق ثلاث مراتب. لكن هذا التصنيف غامض جدًا بالنسبة لنا اليوم. وفي مرحلة تالية صُنّفت وفق ستة صنوف تعكس حالات نفسانية واضحة. وهي حلم الرعب وسببه حالة رعب وحلم الفكرة وسببه ما كنا نفكر فيه قبل النوم وحلم الأمس، وسببه ما جرى الحديث حوله أو ما حدث في اليوم السابق، وحلم الفرح وسببه حالة فرح، وحلم الخشية وسببه خوف من شيء ما. ويتم تفسير الأحلام وفق هذه التصانيف التي تشكل بالأحرى تحليلاً لنفسية الحالم، إضافة إلى ما تشير إليه طاقة الحالم من توازن وتناغم مع العالم. فكل شيء في بنية وآلية الجسم بكليته، بما فيه الأحلام، يتوافق مع حدي الأرض والسماء. ولهذا، عندما يكون الين قويًا فينا نحلم مثلاً إننا نجتاز كمية كبيرة من الماء ونحن خائفون. وعندما يكون اليانغ قويًا نحلم أننا نجتاز نارًا عظيمة وإننا نحترق. وعندما يكون الين واليانغ متساويي القوة نحلم بالحياة والموت. إن هذه الطريقة في التفسير تعتمد كما نلاحظ على فكر فلسفي عميق، وهي تجعل من الحلم وسيلة لمعرفة الذات ولتحقيق توازن نفسي وروحي عند الحالم. ولهذا فإن المفسّر هو بدرجة معينة حكيم يعمل عمل الطبيب النفسي في سبر نفسانية الحالم وفهمها.

إن تفاسير الأحلام في مختلف الحضارات القديمة، رغم خصوصياتها وتباعدها الزمني والجغرافي، تلتقي في أنماط عدة كما لاحظنا. ولعل الحكايات الشعبية التي لاتزال تتكرر حتى أيامنا هذه حول بعض الأحلام تعبر خير تعبير عن هذه النقطة. فالحكايات الشعبية اليابانية مثلاً تورد قصص شراء حلم الآخرين المتكررة في أكثر من ثقافة شعبية عالمية. ومنها أن أحدهم حكى لصديقه أنه رأى في الحلم موقع كنز، فعرض عليه صديقه شراء الكنز منه فقبل، وكان أن استطاع الشاري الوصول إلى مكان الكنز والحصول عليه! ولايخفى علينا ما في هذه القصة من عبرة وجوب التمسك بأحلامنا وطاقاتنا وعدم التفريط بالمواهب الممنوحة لنا.

كذلك نلاحظ أن تفسير بعض الرموز الحلمية يتطابق في أكثر من ثقافة. ففي اليابان، كان كتاب التنجيم مستعارًا من الصين، واسمه طريق الين واليانغ. وعلى الرغم من أننا لانجد في الصين هذا النهج في التفسير، لكن اليابانيين طوّروا الفلسفة الصينية باتجاه أكثر تصنيفية بحيث يمكن تفسير الرموز بشكل مباشر أو غير مباشر. فالحلم بالماء مثلاً يمكن أن يشير إلى حريق في حين يشير حلم النار إلى الطوفان. ونجد مثل هذا التفسير المعاكس في مصر القديمة وثقافات أخرى. ومن الرموز المتكررة أيضًا الحلم براهب أو زاهد أو عابد يعطي الحالمة جوهرة لامثيل لها في العالم فيكون ذلك دلالة على الحمل بطفل سيكون ذا مواهب وحظ كبير، كما في أحلام الكمبوديين. وفي الأحلام اليابانية نجد الراهب الذهبي نفسه يدخل عبر فم الحالمة ليملأ أحشاءها. وتتكرر القصة في الأساطير السرانية السورية والمصرية القديمة، حيث يشير الحلم بطفل أو شيخ يدخل الفم أو الأحشاء إلى ولادة عظيمة. لابد أن نشير أيضًا إلى حلم هام يتكرر في تفاسير اليابانيين والسياميين والكمبوديين والصينيين والمصريين وغيرهم، وهو فقدان سن أو ضرس، وتفسيره موت أحد الأقرباء، وإذا كان السن مكسورًا فقد يشير إلى المرض والموت، ويمكن تحديد المتوفى بحسب موقع السن وحجمه إلخ. ويتفق هذا التفسير تمامًا مع تفسير أرطميدوروس الذي لابد أن ننهي حديثنا عن التفاسير القديمة به، وهو الذي يُعدّ دون شك الأقرب إلى المنهجية العلمية الحديثة.

لم يكن أرطميدوروس الوحيد الذي ترك لنا كتابًا في “تعبير الرؤيا” لكنه كان أول من عالج مفهوم الحلم وتفسيره بطريقة منهجية صحيحة. وقد عاش في القرن الميلادي الثاني في أفسس، لكن شهرته انتسبت إلى قرية والدته فلقب بالدالديائي De Daldia. وقد اشتهر بتواضعه واعترافه بخطئه إذا لم يحسن التفسير. وهو لم يعرف بالطبع مصطلح اللاوعي الحديث، لكنه كان يتعامل معه ويشعر به كمفهوم، فلو تأملنا في عمق تفسيراته للأحلام لوجدنا في معظم الحالات رمزًا أساسيًا ينطلق منه. والحق أن أيًا من المسائل النفسانية التي نعالجها اليوم لم يغب عنه.

وتبين لنا أعماله أنه كان يعرف تعددية الرموز ومعانيها، وإنه كان يعرِّف على المستوى الموضوعي كما وعلى المستوى الذاتي دون أن يفصل بين المنظورين. ويلعب الجسد الإنساني دورًا هامًا عنده، فداخل الفم يرمز إلى البيت والأسنان هم سكانه. والرأس يمثل الأب. ومن تفسيراته مثلاً التي تتفق مع التفسيرات الحديثة الحلم بأنف كبير أو جميل، وهو دلالة جيدة على الرضى الداخلي عند الحالم وعلى نجاح أعماله وعلى اتصاله بأشخاص مرموقين. ولكن إذا حلم أحدهم بأنه بلا أنف فإن أعماله ستنهار، والمريض سيموت. والتفسير مستمد هنا من قوة النَّفّس الذي يستنشقه الأنف، وهو يأخذ منحى آخر في حلم آخر بالنسبة لإرطميدوروس. فإذا حلم أحدهم إن له أنفين فهذه دلالة أكيدة على نزاعات عائلية، وهو يرتكز بذلك دون شك على فهم رمزية الأنف من كونه حلاً شكليًا أمثليًا وحيدًا في الوجه المتجانس.

يقول أريطميدوروس: إن الرموز التي تتكرر عدة مرات في الأحلام تشكل بالنسبة لفكرنا دعوة للتفكر بشيء محدد وبجذب وتوجيه انتباهنا له. وتعليقه هذا على الحلم المتكرر يأخذ به علم النفس الحديث. وإن كنا لم نتطرق إلى الحلم المتكرر في الحضارات المختلفة، لكن معظمها أولته اهتمامًا خاصًا، ورأت أنه منبه إلى حدوث أمر هام. ووفق التحليل النفسي فإن أعماقًا بعيدة في النفس تحاول بذلك النفاذ إلى نطاق الوعي والبقاء فيه. إنها أشبه برسالات تحمل أخبارًا عاجلة وتتكرر باستمرار حتى يُسمح لها بالدخول وتصبح مقبولة في نطاق الوعي.

اقرأ ايضا: