ارتبط غالبًا مفهوم الرؤيا في الحلم بنبوءة قابلة للتحقق. ونجد أمثلة كثيرة على أحلام ملوك مصريين أو آشوريين أو فرس أو غيرهم يظهر فيها إله للملك ويعلمه بوجوب خوض حرب ضد الأعداء أو هزيمتهم.
وكان الحلم يأتي معاكسًا أحيانًا، ويشير إلى هزيمة واندحار جيش الملك. وكانت الرؤى تستشف مسافة زمنية أوسع أحيانًا، لتتنبأ بمصير الأمة. ويتكرر هنا حلم هام يصف فيه الحالم أنه رأى نفسه وقد تحولت أعضاءه إلى مواد مختلفة.
ومن الأحلام الشهيرة في هذا المجال حلم سلطان قونيه الذي فسّره له بهاء الدين ولد والد الشيخ جلال الدين الرومي، مفاده أنه رأى رأسه من ذهب وصدره من الفضة وبقية جسمه بدءًا من السرة من البرونز وإليتيه من الرصاص وقدميه من القصدير. وكان التفسير إنه بعد عصره الذهبي ستتراجع الأمة تدريجيًا إلى أن يحل عصر يكون فيه التحلل كثيرًا وتكثر الأمة وتنتهي مرحلة السلاجقة.لكن أحلام الرؤيا ارتبطت في حالات أخرى كما سبق وذكرنا بتحقق روحي رفيع. وفي هذه الحالة يكون الحلم نذيرًا بالمرتبة التي بلغها السالك أو المريد، ويكون في بعض الأحيان مشاركًا، بما هو رؤيا، في التحقق والاستنارة. ولاشك أن الفلسفة البوذية الهندية بلغت مرحلة عليا في هذا المضمار، نستشفها من إجابات الحكيم الموقر ناغاسينا الشهيرة على تساؤلات الملك ميلندا الذي جاءه طلبًا للمعرفة. فعندما سأله عن طبيعة الحلم أجابه إنه إشارات تجتاز طرقات الفكر. وهناك ستة أنواع من الحالمين كما سبق وذكرنا آخرهم أصحاب الحلم الحقيقي. وهؤلاء يحققون شروطًا خاصة يحدثنا عنها أحد معلمي اليوغا القدماء: فعندما يضبط الإنسان نَفَسه يستطيع أن يكون حرًا في أحلامه، ويحقق خلالها الرؤى التي يطلبها. وشرط تحقيق هذا الحلم-الرؤيا هو ألا يكون الحالم في حالة غير واعية، بحيث يكون مستيقظًا على حقيقة ذاته، فلا يكون نائمًا أو غافلاً ولا مستيقظًا. كذلك عليه قبل أن يلجأ إلى النوم أو الاسترخاء أن يتنفس وفق طريقة خاصة ليضبط أنفاسه ويصبح على تماس مع الطاقة التي فيه.

تحفل حياة أو أسطورة البوذا بالأحلام الرؤيوية التي فسّرها أو التي حلم بها هو نفسه. وثمة ثلاثة أحلام رئيسية في الأسطورة تصف مراحل حياته الأخيرة. أولها لأمه التي تصف دخوله إلى صدرها كفيل أبيض هو أجمل الفيلة التي رأتها. وعندما اقترب موعدة ولادة البوذا رأى والده حلمًا خرج فيه البودهيساتفا من البيت تحف به الآلهة ليتشرد في الغابة. وعندما كان على البوذا أن يترك البيت في رحلته بحثًا عن الاستنارة تروي الأسطورة حلمًا عتيق اللغة وبالغ الأهمية رأته زوجه وتصف فيه ما يصيبها من هزة أرضية واقتلاع الأشجار وتروي تفاصيل كثيرة مخيفة، فالشمس والقمر يهويان، ويُقص شعرها وتقطع يداها وقدماها وتصبح عارية إلخ، لكن البوذا يطمئنها، فتفسير ذلك ليس شيئًا، إذ أن حليها المبعثرة ويدها المقطوعة وعريها وأهوال الطبيعة من حولها، ذلك كله يشير إلى أنها ستمر بمرحلة تتخلى فيها عن أنوثتها لتصبح إنسانًا!

وتذكر الأسطورة أخيرًا مجموعة من الأحلام رآها بالتتالي البوذا نفسه. وكان أولها يشير إلى أنه لم يحقق الاستنارة بعد، ثم تتدرج لتتحقق استنارته فيأتي إليه رؤساء العائلات والطبقات ويحصل على كل ما يلزمه ليكون قادرًا على مساعدة الآخرين.

تشير هذه الأحلام إلى المعنى الفلسفي العميق الذي كان للحلم في الهند. وفي الحقيقة، فإن هذا العالم الذي نحيا فيه هو الحلم، في حين أن ما ندعوه حلمًا ليس لا أقل ولا أكثر مما نتعامل معه على أنه واقع. ومع الاستنارة، يصبح الدخول إلى عالم الحلم استيقاظًا إلى عالم وحدة العالمين والباطن. ويعبر الفكر الطاوي عن ذلك بطريقة أخرى. فخلال النوم، الحكيم لايحلم، وخلال اليقظة لاشيء يعكر صفوه. إنها نظرية اللافعل الصينية. فالحلم الطاوي لايمنع محاولة فهم الحلم وتفسيره إنما ذلك بالنسبة للإنسان العادي الذي لم يرتق روحيًا بعد. أما الإنسان المتأمل فعليه أن يرتفع إلى مستوى أعلى. وليس ذلك دعوة إلى اللامبالاة كما قد نظن، فبدلاً من معرفة العالم بتحليله يستطيع الحكيم أو الرائي معرفته بالتواحد معه داخليًا. كذا، يتأمل تشوانغ تشو مفهوم الحلم والحالم ووحدتهما بأسلوب بات شائعًا في الأدب الصيني:

حلم تشوانغ تشو إنه كان فراشة، فراشة سعيدة. كان يصفق دون أن يعرف إنه تسو. وفجأة استيقظ وعرف نفسه تشو. فلم يعد يعرف إذا كان تشو الذي حلم بأنه فراشة، أو إنه إذا كان الفراشة وقد حلمت بأنها تشو!

اقرأ ايضا: