الزواج-بين-الإنس-والجن-حقيقة-أم-بهتان.jpg

يقول تعالي في كتابه العزيز: { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ } ( الأنعام – 128)

نلاحظ هنا جملة (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس.)
وكذلك جملة ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ).
والجملتان قريبتان في المعنى، أو أنهما تؤديان إلى معنى متشابهاً. فالأولى (قد استكثرتم من الإنس) تطرح سؤالاً واضحاً عن معنى الاستكثار وكيفيته، هل هو استكثار بالتزاوج والذرية ؟ أم استكثار بالانتماء لفكرة واحدة أو متشابهة كأن يصبح الإنسان ذو ميول وأفكار وأعمال شيطانية بحتة بحيث ينطبق عليه لقب (شياطين الإنس) ؟ أم بالاحتمالين معاً.. أي التزاوج والانتماء ؟

شروط نجاح العلاقة بين الطرفين

وكما يبدو من خلال الآيات السابقة فإن ” التزاوج بين الإنس والجن ممكن ” ولكن في حالتين :

-أن يكون الجني متجسداً في هيئة بشرية تنطبق عليه كافة الصيغ المادية، ويكون مرئياً لباقي البشر دون معرفة أصله الخفي.

أن يكون الزواج غير مباشر لقوله تعالى:

{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} ( الإسراء – 64.)

نلاحظ هنا جملة ( وشاركهم في الأموال والأولاد.)

وما يهمنا هنا هو (الأولاد) حيث نرى أن هذه المشاركة تتم بمشاركة الشيطان للرجل أثناء مضاجعته لزوجته لأسباب كثيرة منها أن يكون أحد الزوجين أو كلاهما من ذوي الميول الشيطانية بحيث يمارسان ما حرم الله عليهما من المضاجعة بالدبر على سبيل المثال، أو إشراك التخيل الشاذ من أحد أو كلا الزوجين، كأن تتخيل المرأة نفسها بأحضان رجل آخر أو يتخيل الرجل نفسه بأحضان امرأة أخرى. أو يستعملان كلمات شاذة وقبيحة ومحرمة في أحيان كثيرة بحجة أن لا أحد يعلم بنجواهما متناسين وجود الشيطان بينهما.

إضافة للخيانات الزوجية التي يباركها الشيطان ويشارك بها، وبهذه الحالة يمكن للنساء أن تنجب شياطين دون شعور منها بالحمل والولادة أصلاً، وكذلك يمكن للرجال من البشر إنجاب الشياطين من إناث الجن دون إدراك منهم بمضاجعتهم، فهم يضاجعون نساء من البشر ولا يخطر ببالهم أن أناث الشياطين تكون متقمصة لأجساد تلك النساء ومستحوذة عليها أثناء المضاجعة، والعكس صحيح. أما المواليد البشرية من خلال تلك المضاجعات فمن المؤكد أنها ستكون من ذوي الطباع الشيطانية الشريرة والله أعلم.(1)

وقد أخرج القرطبي في تفسيره لهذه الآية عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل ولم يُسَمّ بالله انطوى الجانّ على إحْلِيله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: “لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنّ.”
روي من حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن فيكم مُغَرّبين،  قلت: يا رسول الله, وما المغرّبون؟  قال:” الذين يشترك فيهم الجن ” ( رواه الحكيم الترمذي في ” نوادر الأصول).

قال الهَرَوِيّ: سموا مغرّبين لأنه دخل فيهم عرق غريب.  ويزعم بأن لـ بِلْقِيس ملكة سَبَأ أحد الأبوين من الجن والله أعلم.

النكاح بين الإنس والجان في الشرع

ذهب الإمام محمد على سلامة  وهو من العلماء المعاصرين إلى إمكانية وقوع التزاوج بين الجن والإنس ؛ فهو يقول في كتاب حوار حول غوامض الجن”: ولكن عدم الجواز شرعاً شيىء ووقوع هذا التزاوج بالفعل شيىء آخر لأنه قد يقع رغماً عن أحد الطرفين، بحيث إذا لم يستجب عذب أو قتل، وغالباً ما يكون التناكح بين الجن والإنس من هذا القبيل ، ويكون سببه شهوة الجن وعشقه إنسان أو إنسانه ، ويكون كل منهما مقهوراً للجن ، وقد يكون التزاوج بينهما باتفاق ورضى، وذلك نادر جداً، وهو محرم شرعاً أيضاً كما ذكرنا، في حالات أندر قد يقهر الإنس الجن الذي يستخدمه على هذا الأمر أي النكاح” . كذلك يرى الإمام محمد على سلامة أن قوله تعالى: “ويوم يحشرهم جميعاً يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم” (سورة الأنعام آية 128) فيه إخبار عن حال الجن والإنس الذين استمتعوا ببعضهم في شهوة الجنس، وغيرها من الشهوات.

وعندما سئل مالك بن أنس (ت 795م) عن رجل من الجن يخطب جارية يزعم أنه يريد الحلال . قال : ما أرى بذلك بأساً في الدين، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل لها من زوجك؟ ؛ قالت: من الجن فيكثر الفساد في الإسلام بذلك.

وقد احتل زواج الإنس والجن فصولاً في الكتب ، وأحياناً خصصت له كتب بكاملها.

فقد جعل أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي في كتابه “الإلهام والوسوسة” باباً لنكاح الجن وكذلك الشبلي في كتابه “آكام المرجان في غرائب أخبار وأحكام الجن” ، وكذلك السيوطي في كتابه “لقط المرجان في أحكام الجان. أما حامد علي العمادي فقد خص زواج الإنس والجن بكتاب أسماه “تقعقع السن في نكاح الجن“.(2)

المراجع:

(1) د. سليمان المدني “جن وشياطين 2: الزواج بين الإنس والجن”

(2) إبراهيم كامل أحمد “زواج الإنس والجن بين فكر العلماء وخيال الأدباء

اقرأ ايضا: