طابعة
عدد التطبيقات التي يمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد إنجازها أصبح خارقًا للخيال، فهي واحدة من تلك التكنولوجيات التي يمكن أن تغير العالم من دون أن نلاحظ ذلك.

يبدو بأن الطباعة الثلاثية الأبعاد بدأت تهيمن على العالم بأكمله – نوعًا ما -، فالطباعة السريعة الثلاثية الأبعاد تقف حاليًا وبشكل لا يصدق خلف بعض أكثر العمليات الصناعية فعالية للمواد التي نستمتع بها الآن، ولكن فائدتها لا تقف فقط عن حدود التصنيع السريع والسهل، فهي تقوم أيضًا بتصنيع نماذج أولية سريعة، مما يسمح للمهندسين بحل مشاكل التصميم البسيطة خلال ساعات معدودة، وهو الأمر الذي كان سابقًا يستغرق أسابيع، كما أن الطباعة الثلاثية الأبعاد بدأت تشق طريقها ليتم الاستفادة منها في المستشفيات والمختبرات البحثية، والعديد من المجالات الأخرى، ولكن كيف تعمل؟

أولًا، وبشكل عام، فإن جميع الطابعات الثلاثية الأبعاد التي توجد في الأسواق اليوم، هي آلات تعمل على مبدأ التصنيع بالإضافة في المقام الأول، وهذا يعني إنها تعمل عن طريق تكديس مواد البناء بدقة وبشكل متكرر بعضها فوق بعض، مما يؤدي في النهاية إلى تصنيع شيء من لا شيء، أي بطريقة معاكسة لعملية النحت، والتي يقوم خلالها النحات بإزالة أجزاء من كائن موجود، وعلى اعتبار أن عملية التصنيع تتم عن عن طريق البناء، والذي عادة ما يكون بشكل وضع طبقات فوق بعضها، فإن الطابعة الثلاثية الأبعاد يمكنها تصنيع الأشياء المجوفة، أو تلك التي تمتلك تلافيف داخلية معقدة، ببساطة لا تقل عن بساطة تصنيع مكعب متجانس من الصلب.

حاليًا، لا يوجد سوى عدد قليل من أنواع تكنولوجيات التصنيع المضافة، وذلك على الرغم من وجود العديد من الاختلافات الطفيفة بين هذه الأنواع، فلكل منها نقاط قوته ونقاط ضعفه، ولكن حتى التقنيات القديمة مثل تقنية البناء بالترسيب المنصهر من المرجح أن تجد لنفسها مكانًا على المدى الطويل في السوق لبساطتها المطلقة وانخفاض سعرها.

تعتبر تقنية الستيريوليثوغرافي (stereolithography ) أو ما يدعى بـ(SLA)، التقنية الأولى من بين جميع تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد، وهي تقنية قائمة على الليزر، فهي تستخدم الليزر لجعل أجزاء من وسط سائلي يدعي البوليمر الضوئي (photopolymer) يتماسك ويصبح صلبًا، وبشكل عام، فإن هذه التقنية تتكون من منصة معدنية مغمورة في البوليمر الضوئي على بعد طبقة واحدة من السطح، وعادة ما تكون المسافة بين المنصة وسطح السائل مساوية لـ10 مليمتر أو أقل، بعد تجهيز المنصة، يقوم ليزر نطاق الأشعة فوق البنفسجية برسم مقطع عرضي لشكل الجسم، وتصليب السائل الذي يلامسه، عند هذه المرحلة تنخفض المنصة لمسافة طبقة أخرى، وتحل على السطح طبقة رقيقة أخرى من البوليمر الضوئي، ليقوم الليزر بتصليب الطبقة التالية مرة ثانية، وعلى الرغم من أن هذه هي الطريقة لا تعتبر الأكثر فعالية للطباعة، إلّا أنه يمكن استخدامها لإنشاء بعض مواد البناء المثيرة جدًا للاهتمام، مثل السيراميك، وبأسعار منخفضة نسبيًا.

بعد ذلك بفترة وجيزة، ظهر أبسط شكل من أشكال الطابعات الثلاثية الأبعاد، والذي بدء بعاصفة اجتاحت السوق بشكل كامل وجلب الكثير من الاهتمام لهذه الآلة، وهي تقنية البناء بالترسيب المنصهر، التي تُعد أسهل أشكال الطباعة الثلاثية الأبعاد التي يمكن تصورها، ففيها تقوم فوهة روبوتية بالتحرك وإفراز مواد بناء من البلاستيك مثل مسدس غراء ساخن عالي الدقة، وفي حين أن بعض المواد البلاستيكية تم تصميمها لتتصلب عند تعرضها للهواء البارد، فإن هناك بعض المواد البلاستيكية الأخرى يتم نسجها مع وسيط تصليب أثناء وضعها فوق بعضها، ولكن على أي حال فإن الهدف هو وضع طبقة صلبة فوق الأخرى، وإذا كانت الطبقات رقيقة بما يكفي، وموضوعة فوق بعضها بالدقة الكافية، فإنها ستنتج سطحًا أملسًا إلى حد ما، وكأنه كائن بلاستيكي مصبوب بالطريقة التقليدية.

ولكن إذا كنا نريد طباعة جسم بمواد أخرى أكثر تنوعًا، مثل المعادن القوية للغاية، فإننا سنحتاج إلى تقنية أفضل من مسدس غراء ساخن فائق التطور.

كانت طريقة التلبيد الانتقائي بالليزر (Selective laser sintering) أو ما يعرف باسم (SLS) الإجابة الأولية، وينطوي هذا النهج على إطلاق سحابة صغيرة من مواد البناء بشكل رذاذ، فوق المنطقة المراد بناؤها، بعد ذلك يقوم ليزر مؤقت بدقة عالية بصهر هذه الجزيئات الفردية من مواد البناء، والتي عادة ما تكون من المعادن، لتصبح جسمًا متكاملًا، الجدير بالذكر أن هناك نسخة أكثر تطورًا من هذه التقنية تسمى الصهر الانتقائي بالليزر (Selective Laser Melting) أو ما يعرف باسم (SLM) وهي تعمل بذات الطريقة تقريبًا، ولكن بدلًا من استخدام الليزر لصهر الجزيئات المضافة إلى الكائن الذي يتم بناؤه تدريجيًا، فإن آلة الـ((SLM تعمل على تذويب جسيمات مواد البناء تمامًا، وتبدأ بالعمل من بقعة صغيرة من المعدن المنصهر لتصنع موادًا نهائية أكثر قوة وكثافة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أشكال أكثر تخصصًا من الطباعة الثلاثية الأبعاد، وأحد الأمثلة على ذلك هي طابعة الألياف الكربونية، والتي يمكن استخدامها لطباعة أجزاء عالية القوة ومنخفضة الكثافة، ولكن تكلفة هذا النوع من مواد البناء المتخصصة والمركبة لا تزال مرتفعة نوعًا ما – ولكن ليس بالضرورة أن تكون مرتفعة جدً ا- فبما يزيد قليلاً عن 5000 دولار، يمكن لعشاق هذا النوع من التقنيات طباعة أجزاء من ألياف الكربون التي تعتبر، في معظم نواحيها، أفضل من تلك التي يتم طباعتها باستخدام المعادن.

أصبح هناك الكثير من المجالات التي تدخل الطابعات الثلاثية فيها، فشركات الطيران مثل الإيرباص بدأت تستخدم الطابعات الثلاثية الأبعاد لإنتاج الآلاف من قطع الغيار الرخيصة والخفيفة الوزن لطائراتها، في حين أصبح بإمكان الأطباء الآن أيضًا أن ينتجوا بسرعة القوالب الطبية والأطراف الاصطناعية لمرضاهم، وحاليًا فإن معظم شركات التصميم تمتلك طابعة واحدة رخيصة ثلاثية الأبعاد على الأقل في مكان ما على طاولاتها، حتى يتمكن المصممون بسرعة من اختيار الفكرة والنظر إليها من جميع الزوايا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن كفاءة الطباعات الثلاثية الأبعاد، تجعلها أيضًا مثالية لخدمة المجتمع العلمي، وذلك عن طريق ما يسمى بالطباعة الحيوية التي يمكن أن تحدث ثورة في مجال إنماء الأعضاء من الخلايا الجذعية، فالطابعات الجديدة يمكنها أن تقوم ببناء مصفوفات من البوليمرات القاسية التي تحتوي على مواد مغذية وخلايا جذعية معينة، مما يسمح للأعضاء بالنمو كأعضاء مبنية ككائن ثلاثي الأبعاد، بدلًا من كتل متجانسة من أنسجة العضو في طبق بتري.

تم استخدام كل من تقنية الـ (SLS) والـ (SLM) من قِبل وكالة ناسا للحصول على أجزاء جاهزة للإطلاق في مهمات حقيقية، وتبعًا للوكالة فإن هدفها على المدى الطويل، هو أن تكون قادرة على طباعة مركبات معقدة بشكل كامل باستخدام تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، حتى وإن كان ذلك في الفضاء، وحتى الآن، كان هناك محاولات لطباعة أشياء باستخدام الغراء الممزوج مع الغبار القمري أو المريخي، مما قد يتيح الفرصة للمسابير بإنشاء هياكل لمستعمرات بشرية في وقت لاحق بشكل مستقل، ويوجد اليوم مبادرة تدعى (SpiderFab) تهدف لبناء طابعة ضخمة ثلاثية الأبعاء في فراغ الفضاء.

نهاية يمكن القول بأن عدد التطبيقات التي يمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد إنجازها أصبح خارقًا للخيال، فهي واحدة من تلك التكنولوجيات التي يمكن أن تغير العالم من دون أن نلاحظ ذلك، فإذا بقيت الغالبية العظمى من الطابعات وراء الستار، في المصانع والمعامل في جميع أنحاء العالم، فإن أثرها لا يمكن أن يُلاحظ سوى من خلال التطور المتزايد لنوعية الحياة، واستمرار انخفاض تكلفة المعيشة.

 

اقرأ ايضا: