تحدثنا في الجزء الأول والثاني من هذه السلسلة عن الزمان والمكان إلى الزمكان «ضمن نص الزمان والمكان إلى الزمكان يوضع رابط المقال التالي http://ibelieveinsci.com/?p=32426 » وعن الزمن في لبنات الكون « يوضع رابط الجزء الثاني من السلسلة بعد نشره عند عنوان المقال» وسنتبع في مقالنا الثالث من هذه السلسلة بعنوان: المستقبل هو الزمن

قد يبدو الأمر مفاجئًا إذ أنك كلما نظرت في المرآة لمحت بقع الشعر الرمادي والتجاعيد المتزايدة، ولكن الرأي المقبول في الفيزياء هو أن تجربتنا بمرور الزمن هو مجرد حادث كوني. إن قوانين الفيزياء الأساسية صالحة لتمرير الزمن إلى الوراء كما إلى الأمام، وجهة النظر المقبولة هي أننا نعيش في لبنة الكون، كتلة رباعية الأبعاد من الزمكان الذي يحتوي على كل المكان في كل زمن: الماضي، الحاضر والمستقبل، التي وضعت بالفعل في هذا الجزء من الخرسانة الكونية.

ليس للزمن أي خصوصية في نظرية آينشتاين للنسبية العامة: إنه مجرد واحد من الأبعاد الأربعة للزمكان، النسيج الأساسي للكون. الزمن كما نواجهه هو وهم، منتج ثانوي من أن كوننا قد بدأ من الانفجار العظيم. ولكن «مارينا كورتيس – Marina Coutês»،عالمة الكون من المرصد الملكي، إدنبرة، وعدد متزايد من الفيزيائيين الآخرين يتحدون هذا الرأي ويعملون على تطوير نظريات حيث يأتي الزمن في المقدمة.

الزمن يمر
تقول كورتيس: «نحن نحاول معرفة نظرية الطبيعة الأساسية، ولكننا نريد أن نعود إلى فيزياء الجانب الأساسي من تجربتنا، وهي أن الزمن فقط يتحرك إلى الأمام. نحن لسنا راضين عن التفسير بأن الزمن الذي يمضي قدمًا هو وهم، هذا ما يفسره الانفجار العظيم». كورتيس والمتعاون معها «لي سمولين – Lee Smolin» وضعا بدلًا من ذلك أفكارًا تعتمد على أن الزمن كان أساسيًا، وأن مرور الوقت كان حقيقيًا ولا رجعة فيه.

في نموذجهما، الوصف الأساسي للكون هو مجموعة سببية حيوية. وبدلًا من البدء بالزمكان المستمر، كما في النظرية النسبية العامة لآينشتاين، تبدأ صورة كورتيس و سمولين من «ذرات» منفصلة من الزمن: «مثل دقات الساعة». فكر في عملية قراءة هذه المقالة ثم إبطاء الوقت بشكل كبير حتى تحصل على سلسلة من فوتونات الضوء الفردية من الشاشة التي تتفاعل مع شبكية العين. كل من هذه التفاعلات هو مثال للزمن في نموذج كورتيس، وكل لحظة لديها الطاقة المرتبطة والزخم. هذه الحالات منفصلة، ولكن عند تكبير الصورة تبدو أنها تندمج في مرور مستمر من الزمن. المستقبل لم يحدث بعد، والماضي، هو تلك الحالات من الوقت الذي لم تعد تتفاعل مع بعضها البعض، أي لم يعد لها وجود.

ترتبط هذه الحالات معًا و تنتظم في شبكة من المعادلات الرياضية التي تصف فيزياء العالم من حولنا. وللمجموعات السببية النشطة هذه معادلاتها غير المتماثلة أساسًا في الزمن. الزمن يتدفق فقط إلى الأمام. تقول كورتيس: «ما حدث لا يمكن ألا يحدث. ويأتي هذا التماثل من استخدام الميكانيكا العشوائية، على غرار النتائج العشوائية في ميكانيكا الكم. لا يمكنك التنبؤ بشكل قاطع بالمستقبل، وكذلك لا يمكنك إعادة بناء الماضي بنفس الشكل تمامًا. الأمر مثل أن ترمي حجر الزهر فيعطي رقم ستة، لا يمكنك إعادة وجه الزهر بالكيفية التي كان عليها عندما كان في يدك».

تشفر المعادلات الرياضية أيضًا خاصية عدم التماثل الزمني كدالة شمولية -دالة يكون مداها مساويا للمجال المقابل-، حيث يمكن لاثنين أو أكثر من العناصر المتميزة أن تخرج نفس النتيجة. فكر في المعادلة البسيطة y = x2، وكلا القيمتين x = 2 و x = -2 تعطيان إجابة
y = 4. لو أنك تعرف أن خرج المعادلة الخاصة بك هو أربعة، لا يمكنك القول بشكل قاطع إذا كان المدخلات x = 2 أو x = -2.لو طبقنا هذا الأمر على المثال الذي بين أيدينا وهو رمي الزهر: من الممكن رمي الرقم ستة، بدءًا من أي من أرقام وجوه الزهر المواجهة للأعلى.

لقد تمكن كل من كورتيس وسمولين من إظهار أنه عندما تقوم بالتكبير مرة أخرى من دقات الساعة إلى مقاييس أكبر، يبدأ الزمكان في الظهور، فضلًا عن جوانب ميكانيكا الكم والجاذبية. وهم يأملون أن يستعيدوا في نهاية المطاف مجموعة كاملة من القوانين الفيزيائية -النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات والنسبية العامة والميكانيكا النيوتونية– كاملة مع تماثل الزمن الظاهري. ومن ثم سيكون هذا الأمر مرغوبًا كثيرًا لنظرية الثقل الكمومي، حيث تدفق الوقت إلى الأمام أمر أساسي.

أعمق الدلائل
إنها واحدة من الأفكار الواعدة التي تضع الزمن في المقدمة. لقد دعا كورتيس وسمولين أربعين من الباحثين الرئيسيين في علم الكونيات والفلسفة، وبعضهم يؤيدون صورة لبنة الكون الكلاسيكية، وبعضهم يعمل على نظريات بديلة، في مؤتمر علم الكون في يونيو من العام 2016 في معهد المحيط للفيزياء النظرية بكندا – Perimeter Institute for Theoretical Physics، وكان الهدف من المؤتمر أن يكون حميمًا، إذ نظمت الجلسات لتشجيع النقاش والمجادلة بشأن التنوع الواسع في الآراء والأفكار بين الحاضرين. ولكنه تحول إلى مؤتمر ذو شعبية كبيرة، إذ عادة ما يتزاحم أكثر من 80 شخصًا في الغرفة لسماع المناقشات، مما أدى إلى استبعاد أولئك الذين لم يسجلوا للمؤتمر بسبب أسباب الصحة والسلامة!
أحد البدائل الأخرى التي نوقشت في المؤتمر كان لبنة الكون المتزايدة، بدعم من «جورج إليس – George Ellis». في هذه النظرية نحن نعيش في لبنة الكون، ولكن المستقبل لم يتحقق بعد، بدلًا من ذلك، الحاضر هو «سطح» لبنة الكون، بينما تستمر لبنة الكون من الماضي بالنمو. بالنسبة لكورتيس تبدو هذه النسخة غير المكتملة غريبة بعض الشيء، لأنها لا تزال تعطي الماضي نفس حالة الحاضر. تقول كورتيس: «إنهم يعتقدون أن الماضي موجود في مكان ما، ولكن أين الماضي؟ هل يمكنني تغيير وضعيتي و من ثم رؤيتها؟»
وقد نوقشت العديد من الأفكار الأخرى في المؤتمر، مثل نموذج المجموعة السببية كبديل،حيث السببية بدلًا من الوقت، هو المبدأ الأساسي، فضلًا عن تفسيرات وجهة نظر لبنة الكون الكلاسيكية.

وقد احتوت المناقشات الساخنة المتعمقة على الكثير من الإثارة في هذه المنطقة المتصاعدة من الفيزياء التي تهدف إلى التوفيق بين الفيزياء الأساسية وبين تصورنا للزمن.

تقول كورتيس: «كنت موقنة بنظرية لبنة الكون لفترة طويلة، لكنني أدركت تدريجيًا أنها لا تعبر عن الحقيقة، وأنا مقتنعة بأن مرور الوقت هو أعمق دليل تعبر به الطبيعة عن طريقة عملها، لكن الفيزيائيين يعرضون عنه».

ربما تكون مسألة وقت فقط قبل أن نكشف الغطاء عن نظرية الطبيعة الأساسية.

التصنيف: فضاء
ترجمة: مصطفى العدوي
تدقيق: أحمد اليماني
المصدر: https://plus.maths.org/content/future-time

اقرأ ايضا: