تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة عن الزمان والمكان إلى الزمكان

وفي الجزء الثاني عن الزمن في لبنات الكون

وفي الجزء الثالث عن المستقبل هو الزمن

وسنتبع في مقالنا الرابع والأخير من هذه السلسلة لنتحدث عن: لماذا يرفض بعض العلماء مبدأ لبنات الزمن


عندما قدم أينشتاين نظريته للنسبية العامة في عام 1915 أحدث ثورة في نظرتنا للكون.

وكانت رؤيته الرئيسية هي توحيد المكان والزمان في الزمكان: فالزمان والمكان ليسا كيانين منفصلين، بل بالأحرى أبعادًا مختلفة في نسيج الكون.

نجحت نظرية آينشتاين بشكل كبير.

مكنت النسبية العامة آينشتاين والفيزيائيين الآخرين من التنبؤ بشكل درامي بطبيعة الكون.

بعض تلك التنبؤات، مثل وجود الثقوب السوداء وموجات الجاذبية، قد أُكدت من خلال الرصد هذا العام .

وقد تكون هذه التنبؤات قد استغرقت قرنًا ليتم رصدها، ولكن جميع الفيزيائيين تقريبًا لم يكن لديهم شك أننا سوف نرصد هذه الأجسام يومًا ما؛ كنا فقط بحاجة إلى التجارب القوية بما فيه الكفاية.

ولكن هناك أحد الآثار الكبرى لنظرية آينشتاين التي لم تؤكد بعد، ويشكك بعض الفيزيائيين فيما إن كانت ستؤكد أبدًا.

زمن الإستسلام

عندما وحد آينشتاين الزمان والمكان، قام بإزالة الحالة الاستثنائية للزمان.

لذلك بمجرد أن نفكر أن الكون يحتوي على الأبعاد المكانية الثلاثة، سنستنتج أيضًا من خلال النسبية أن الكون يحتوي كل الزمان.

هذه النظرة الجديدة للكون تسمى لبنة الزمان، حيث يكون كل الزمان: الحاضر،الماضي والمستقبل، موجودًا في قطعة رباعية الأبعاد من الزمكان المعروفة باسم لبنة الكون.

في لبنة الكون، لا يوجد تفضيل خاص لما يسمى بـ«الآن» – اللحظة الحاضرة -، وليس هناك حدود فاصلة بين الماضي والمستقبل.

كلًا من المستقبل والماضي موجود بالفعل، و«الآن» هو أي إحداثي على طول البعد الزمني في لبنة رباعية الأبعاد من الزمكان.

يبدو هذا منافيًا لتجاربنا اليومية التي تتحرك فقط إلى الأمام بمرور الزمن، حيث الماضي ثابت ومحفوظ وراءنا، والمستقبل مجهول أمامنا يظل معتمدًا على الأحداث التي تقع الآن.

الأكثر من ذلك، أن القوانين الرياضية التي تحكم الكون متماثلة في الزمن، تقول مارينا كورتيس- عالمة الكون من المرصد الملكي، أدنبرة – : «في مباديء الفيزياء لا يوجد تفسير لتقدم الوقت إلى الأمام».

بدلا من ذلك، على افتراض صحة وجهة النظر القائلة بلبنات الزمن، خبرتنا في التقدم إلى الأمام من الزمن يمكن تفسيرها عن طريق الكون بدءًا من حالة خاصة جدًا ذات احتمال ضعيف وهي الانفجار العظيم، ومن ثم الآثار المترتبة على القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

لفهم هذا، تقارن كورتيس ظروف الانفجار العظيم بغرفة لا ينتشر فيها الأكسجين بشكل متجانس في جميع أنحائها ولكن يتم ضغط جميع جزيئات الأكسجين في مساحة صغيرة في زاوية هذه الغرفة.

إنه لمن المستبعد جدًا أن تكون الجزيئات في هذه الحالة ذات الترتيب العالي.

وهكذا، وبفضل القانون الثاني للديناميكا الحرارية، فإن الجزيئات ستنتقل حتما إلى الحالة الأكثر عرضة للفوضى (الإنتروبيا)، فتنتشر في جميع أنحاء الغرفة.

ليس هناك عودة إلى حالتها الابتدائية ذات الاحتمال الضعيف.

يمكنك قراءة المزيد عن القانون الثاني للديناميكا الحرارية في هذا المقال:

[ رابط المقال ]

تقارن كورتيس، اعتمادًا على حقيقة أن كوننا بدأ من حالة ذات احتمال ضعيف «الإنفجار العظيم»، فكرة إخفاء السهم الزمني تحت السجادة – أي تجاهل حقيقة أن الزمن يتحرك دومًا إلى الأمام –.

تقول كورتيس: «المشكلة هي أن السهم الزمني هو مجرد وهم لأنه يأتي من تلك الشروط الأولية الخاصة جدًا».

وبالفعل فإن هذه الشروط الأولية الخاصة صعب جدًا تحققها في الواقع، تقدر كورتيس أن هناك حوالي 1090 طريقة يمكن للكون أن يبدأ بها، واحدة فقط من هذه الحالات، الانفجار العظيم، وهي التي منها بدأ كوننا.

في الواقع، جميع الاحتمالات الأخرى لن تتسبب بوجودنا من الأساس.

وهذا يترجم إلى إحتمال 10-90 أن يبدأ الكون من الإنفجار العظيم، ويمكن كتابة ذلك في صورة:

0.0000…0001

بحيث يوجد 89 صفرًا بين العلامة العشرية والرقم 1.

«أعني أن 10-90 احتمال ضئيل جدًا، لدرجة أنه من شبه المستحيل أن نتصور كم هو ضئيل!»

أكثر من مجرد دمىً

وماذا عن الإرادة الحرة؟ لبنة الزمن تقول أن شعورنا بالخيارات في حياتنا هو أيضًا وهم.

تقول كورتيس: «إن لبنة الكون تقول إننا مجرد دمىً نعيش حياتنا، وأن مسرحية الحياة قد كتبت بالفعل».

ولكن هناك تفسير محتمل لهذا أيضًا.

إن إحساسنا بالإرادة الحرة يمكن أن يكون نتيجة لاختلاف مستويات التعقيد بين النظام الذي تعمل فيه النسبية العامة، التي تحتوي على جوانب أساسية من الكون مثل الأبعاد الأربعة للزمكان والأشكال التي يأخذها هذا النسيج -، على عكس مستوى تعقيد النظام الذي تعمل به الإرادة الحرة للإنسان: الدماغ البشري.

تقول كورتيس: «الدماغ هو نظام أكثر تعقيدًا من النظام الذي ندرسه».

«هناك فقط الزمكان، الذي يمثل الأجزاء البدائية من الطبيعة، نحن نعرف قوانينها، نحن في الفيزياء، الكيمياء تعتبر مستوى أعلى من التعقيد، ثم يأتي المستوى الأعلى من التعقيد في نظام البيولوجيا، والحجج تصبح أكثر وأكثر تعقيدًا، ثم ندرس الدماغ البشري».

تقول كورتيس أننا لا يمكن أن نفهم الدماغ البشري باستخدام قوانين الفيزياء الأساسية: «إن الأمر أشبه بطبيب في غرفة الطوارئ، وبدلًا من استخدام القوانين المتوفرة في الطب، سيستخدم القوانين الأساسية لحركة الفرميونات والإلكترونات التي تتحرك في الزمكان، ثم لا يستطيع الطبيب أن يفعل أي شيء لأنه لا يعالج الفرميونات، بل يعالج مريضًا».

يبدو إذًا أن نفس القوانين لا تحكم جميع مستويات التعقيد.

معظم علماء الفيزياء سيكونون خائفين من قول شيء عن الإرادة الحرة في أدمغتنا قد استنتجوه من القوانين الأولية للفيزياء، لأن الاختلاف في تعقيد هذين النظامين كبير جدًا.

«ليس الأمر أنه لا يوجد أي آثار للقوانين الأساسية في هذه النظم المختلفة، ولكن يجب أن نكون حذرين من أننا نصف أنظمة فيزيائية شديدة الاختلاف باستخدام نفس القوانين.

إن محاولة تطبيق القوانين خارج نظم صلاحيتها هي دائمًا أمر خطير».

المستقبل هو الزمن

تنشأ لبنة الزمن من أحد أهم النظريات العلمية نجاحًا: نظرية النسبية العامة لآينشتاين، ولكن آثارها غير البديهية – أن الزمن والإرادة الحرة مجرد أوهام – أدت إلى أن كورتس وآخرين غيرها يشككون في هذا الرأي عن الكون.

تقول كورتيس: «اعتدنا كفيزيائيين قول:لا تدع تصوراتك تؤثر على العلم الخاص بك أكثر من اللازم.

لكن هناك نقطة ينبغي علينا أن نتوقف عندها ونقول: إن النظرية التي توصلنا إليها ليست منطقية.

إنها تنافي تجربتنا الأساسية مع الطبيعة، حيث لا شيء أساسي أكثر من مرور الزمن، دائما يتحرك إلى الأمام؛ بل أكثر من ذلك، أظن أن المستقبل لم يتحقق بعد، أريد أن أخلق شيئًا من أفعالي؛ فإذا قالت النظرية: لا، إن المستقبل قد حدث بالفعل، بالنسبة لي إذًا كل ما علي فعله هو الاستلقاء على الأريكة، وعدم فعل شيء؟»


  • ترجمة: مصطفى العدوي
  • تدقيق: أحمد اليماني
  • تحرير: طارق الشعر
  • المصدر

اقرأ ايضا: