في كل مرة تنظر فيها إلى السماء، تذكر أن هذا الكون أكبر بكثير مما تتخيل، فقد أدرك علماء الفلك، عندما نظروا بعيدًا في أعماق الفضاء، مدى صغر حجمنا وعدم أهمية نوعنا وكذلك عدم أهمية كوكبنا الأرض مقارنةً بالكون.

قادت الأبحاث حول المغناطيسية والنجوم البعيدة العلماءَ إلى استنتاج سرعة الضوء (والتي تُعتبر أكبر سرعة يمكن بلوغها)، وقد أخذ العلماء يستخدمون المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة واحدة لقياس المسافات بين النجوم والمجرات. ولكن ما هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة؟

بشكل أساسي، تبلغ سرعة الضوء 299,792,458 متر في الثانية (1080 مليون كيلومتر في الساعة أو 671 مليون ميل في الساعة)، ومن ثم يقطع الضوء في سنة واحدة مسافة تُقَدَّر بحوالي 9,460.5 ملياركيلومتر( 5,878.5 مليارميل).

سرعة الضوء

انشغل العلماء لعدة قرون بحساب سرعة الضوء. فقبل القرن السابع عشر، كان هناك خلاف عمّا إذا كانت سرعة الضوء محدودة، وإذا ما كان الضوء ينتقل من نقطة إلى أخرى بشكل فوري. ولكن في العام 1676 أنهى عالم الفلك الدنماركي أوول رومر Ole – Romerالخلاف، عندما أثبت أن سرعة الضوء محدودة وذلك بالاعتماد على مشاهداته للحركة الظاهرية للقمر التابع لكوكب المشتري آيو-.IO

توضح هذه الصورة كيف ينتقل الضوء بأطوال موجية مختلفة.

ومن ثمَّ قدّر عالم الفلك الهولندي المشهور كريستيان هويغنز-Christiaan Huygens بالاعتماد على مشاهداته- سرعةَ الضوء بـ 220,000 كم/ثـ ( 136,701ميل/ثـ).
وعلى مدار القرنين التاليين، أخذت سرعة الضوء تُقدَّر بقيم أكبر فأكبر، فقُدِّرَت بحوالي 299,000 إلى 315,000 كم/ثـ (من 185,790إلى 195,732 ميل/ثـ)، وهذا ما كان يعتقدُه العالم جيمس كليرك ماكسويل، فقد قدّم ماكسويل اقتراحًا في العام 1865 ينصُّ على أن الضوء عبارة عن موجة كهرطيسية، وكان ماكسويل يرمز إلى سرعة الضوء في نظريته الكهرطيسية بالرمزC.

وفي العام 1905 طرح ألبرت أينشتاين نظرية “النسبية الخاصة” والتي اعتبر فيها سرعة الضوء ثابتة، وذلك بإهمال النظام/الإطارالمرجعي القصوري (العطالي) للمراقب(inertial reference frame) وكذلك بإهمال حركة مصدر الضوء.

وبعد قرون من إجراء القياسات، تمكن العلماء في العام 1975 من حساب سرعة الضوء في الخلاء وبلغت قيمتها 299,792,458 متر في الثانية.

كما أظهرت دراسة جارية أن الضوء ينتقل بأطوال موجية مختلفة، ويتشكل من جسيمات تُعرَف بالفوتونات، وهي جسيمات عديمة الكتلة تسلكُ سلوك الجسيمات والأمواج في نفس الوقت.

السنة الضوئية
يقطع الضوء في سنة واحدة مسافةً قدرها
9,460,528,000,000 كيلومتر (أي 5,878,499,817,000 ميل)، وتُعرف هذه المسافة بالسنة الضوئية، وتستخدم السنة الضوئية لقياس المسافات الكبيرة جدًا في الكون.

تظهر هذه الصورة عدة مواضع في الكون والمسافات التي تبعدها مقاسة بالسنة الضوئية.

على سبيل المثال، يبعد النجم بروكسيما سينتوري (Proxima Centauri)عن الأرض 4.22 سنين ضوئية، وهو بذلك أقرب نجم من الأرض.

كما تبعد الأرض عن مركز مجرة درب التبانة 26,000 سنة ضوئية، في حين تبعد مجرة أندروميدا(أقرب المجرات إلينا) مسافة قدرها 2.5 مليون سنة ضوئية.

وحتى تاريخ هذا اليوم، تُعتبَرالمجرةMACS0647-JD أبعد المجرات عن الأرض، وهي تقع على بُعد 13.3 مليار سنة ضوئية تقريبًا.

ويتموضع إشعاع الخلفية الكوني الميكروي، والذي يُعتبَر بقايا حرارية للانفجار العظيم، على بُعد 13.8 مليار سنة ضوئية. إذ إن اكتشاف إشعاع الخلفية الكوني الميكروي لايدعم صحة نظرية الانفجار العظيم فقط، بل أيضًا يمكّن علماء الفلك من تقدير عمر الكون بشكل أكثر دقة.

ومن ثمَّ فإن قياس المسافات الكونية باستخدام السنة الضوئية يذكّرنا بحقيقة ارتباط الزمن بالأبعاد المكانية الثلاثة واندماجها مع بعضها لتشكل الزمكان.

فعندما نرى الضوء القادم من موضع بعيد، فإننا ننظر إلى الماضي، فمثلًا عندما نرى الضوء القادم من نجم يقع على بُعد 400 سنة ضوئية، فإننا في الحقيقة نرى الضوء الصادر عن هذا النجم قبل 400 سنة، أي أن هذا النجم يبدو لنا كما كان قبل 400 سنة وليس كما يبدو الآن. وبناءً على ذلك، عندما ننظر إلى موضع يبعد عنا المليارات من السنين الضوئية، فإننا نعود بالزمن إلى الوراء المليارات من السنين الضوئية.

هكذا إذن، ينتقل الضوء بسرعة كبيرة جدًا، ولكن بالمقارنة مع الكون، لا يزال الضوء يستغرق مليارات السنين ليصل إلينا من أماكن محددة في هذا الكون.
وفي النهاية، فإن معرفة المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة تفيد العلماء ليس في إدراك حجم الكون فقط وإنما أيضًا في رسم مخطط لتطوره.


  • ترجمة: محمد غيث بغدادي
  • تدقيق: هدى جمال عبد الناصر
  • تحرير : رغدة عاصي
  • المصدر

اقرأ ايضا: