يقوم علماء الفلك حاليًا باستعمال مبادئ من البيولوجيا وعلم الآثار من أجل بناء شجرة عائلة النجوم في مجرتنا. عبر دراسة التواقيع الكيميائية الموجودة في النجوم، يحاولون الآن جمع هذه الأشجار التطورية مع بعضها البعض بالنظر إلى كيفية تشكّل النجوم وكيفية ارتباطها ببعضها البعض. إن ذلك أقرب إلى وضع العلامات الكيميائية للنجوم، وحاليًا يشكل أسس اختصاصٍ يشير إليه علماء الفلك باسم “علم الآثار المجرّي”.

نظرية تشارلز داروين التي نشرها سنة 1859، والتي تقول أن جميع أنواع الكائنات تنحدر من سلف مشتركٍ واحد، كان أثر هذه النظرية على البيولوجيا ثوريًا منذ ذلك الحين، لكن كانت الصدفة هي التي جمعت بين عالمة فلك وبيولوجي على مائدة الغداء بجامعة كامبرج، حيث جعلت عالمة الفلك تفكر في كيفية تطبيق ذلك على النجوم في مجرة درب التبانة.

الدكتورة باولا جوفري (Paula Jofré) من معهد علم الفلك بجامعة كامبرج، كتبت في مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الملكية الفلكية، شارحةً كيف فكرت في خلق “شجرة النشوء والتطور” تربط عددًا من النجوم في مجرتنا ببعضها البعض.

إذ تقول في هذا الشأن: «استعمال الخوارزميات من أجل تحديد عائلات النجوم هو علمٌ قيد التطوير بشكلٍ دائم. أشجار النشوء والتطور تمنح بُعدًا إضافيًا لمساعينا، لذلك تعتبر هذه الطريقة خاصة للغاية. فروع الشجرة تعلمنا عن التاريخ المشترك للنجوم».

قام الفريق بانتقاء اثنين وعشرين نجمًا، بما فيهم الشمس من أجل الدراسة. تم قياس العناصر الكيميائية بشكلٍ حذر من البيانات القادمة من التلسكوبات الموجودة شمال دولة تشيلي.

عندما يتم تحديد العائلات باستعمال الحمض النووي الكيميائي، يتم دراسة تطورهم بالنظر إلى أعمارها و خصائصها الديناميكية من خلال بيانات مركبة “جايا”، الموجودة في مدار الأرض، ومنذ إطلاقها من طرف الوكالة الأوروبية للفضاء، هي الآن في منتصف مشروعها لوضع خارطة للسماء خلال خمس سنوات.

تولد النجوم من انفجارات عنيفة تحدث في سحب الغازات على مستوى المجرات. وإذا وجدنا نجمين بنفس التركيبات الكيميائية، فقد يكونان قد وُلدَا من نفس السحابة الجزيئية غالبًا.

بعضها تعيش أكثر من عمر الكون و تمنح لنا سجلات أحفورية لتركيب الغازات في الفترة التي وُلدت بها. أقدم نجمٍ في العينة التي اختبرها الفريق يُعتقد أن عمره يصل إلى 10 مليارات عام، وهو ما يقارب ضعف عمر الشمس. أما أصغرها سنًا فيصل إلى 700 مليون سنة.

في التطور، ترتبط الكائنات الحية فيما بينها عبر نمطِ من الأصل، مع تغيّرات تحصل عند تطورها. النجوم من جهة أخرى مختلفة عن الكائنات الحية بشكلٍ كبير، لكنها تملك تاريخًا لأصلٍ مشترك رغم ذلك عند تشكلها في سحب الغازات، و تحمل معها ذلك التاريخ في تركيبها الكيميائي. عبر تطبيق نفس الطرق التطورية التي يستعملها البيولوجيون من أجل اقتفاء أثر الأصول في النباتات والحيوانات، من الممكن استكشاف ‘تطور’ النجوم في المجرات.

حول هذا الأمر يقول البروفيسور روبرت فولي (Robert Foley)، من مركز ليفرهولم للدراسات التطورية البشرية، بجامعة كامبرج: «الفوارق بين النجوم والحيوانات ضخمة، لكنها تشترك في خاصية التغير عبر الزمن، لذلك يمكنك تحليل كلٌّ منها عبر بناء أشجارٍ لتاريخها».

مع العدد القائم بالارتفاع لمجموعات البيانات المتحصل عليها من مركبة جايا والتلسكوبات المتطورة الأخرى على الأرض، والاستطلاعات الطيفية الواسعة القائمة حاليًا، يقترب علماء الفلك من جمع الشجرة التي ستقوم بربط كل النجوم في مجرة درب التبانة.


إعداد: وليد سايس
تدقيق: جعفر الجزيري
المصدر

اقرأ ايضا: