تمكن الباحثون للمرة الأولى من تخليق جزيء غريب وغير مستقر ذي شكل مثلث، وأطلقوا عليه اسم «triangulene»، وهو جزيء حاول الفيزيائيون إيجاده في السنوات السبعين الماضية.
هذا الجزيء المشابه في تركيبه لتلك المادة العجيبة التي سمكها ذرة واحدة والمعروفة باسم الجرافين – graphene يتكون من مجموعة من ذرات الكربون، إذ يتكون من ستة جزيئات سداسية من الكربون مرتبطة حوافها ببعضها البعض مشكلة بذلك الشكل المثلث. وقد أدي هذا التركيب لوجود إلكترونين في حالة مفردة وبالتالي إلي صعوبة تشكل رابطة مستقرة.

لم يتمكن أحد قط من تخليق هذا الجزيء قبلًا، ولكن مؤخرًا تمكن فريق من الباحثين بشركة آي بي إم من تخليق الجزيء صعب المنال باستخدام ميكروسكوب يشبه في شكله طرف الإبرة للتحكم بالذرات لتكوين الشكل المطلوب. وفي حديثه لمجلة «Nature»، قال ليو جروس Leo Gross رئيس فريق الأبحاث بمعامل آي بي ام بسويسرا: «إن هذا الجزيء هو الأول من نوعه والذي كثيرًا ما حاول الباحثون تخليقه ولكن دون جدوى. ليست هذه هي المرة الأولي التي يتمكن فيها العلماء من تخليق جزيء غير مستقر ويستحيل تكونه طبيعيًا ولكن المميز في هذا الجزيء أن له خصائص مفيدة في مجالي الإلكترونيات والحوسبة الكمية، هذا بجانب تركيبه المثلث الشكل.

وكان أول من تنبأ بإمكانية تشكل هذا الجزيء هو العالم التشيكي إيريك كلار Erich Clar عام 1950، حيث قام بدراسة هذا الجزيء (نظريًا)، وتوصل لأنه لتكوين جزيء مثلث الشكل يلزم وجود ستة جزيئات من البنزين الحلقي المتحدة لكل منها عدد زوجي من الذرات والإلكترونات، وسيتخلف عن هذا التكوين إلكترونين مفردين. حاول كلار تخليق هذا الجزيء معمليًا ولكن باءت تجاربه بالفشل، إذ كانت مهمة صعبة للغاية؛ وذلك لأن الإلكترونات المفردة لا تظل طويلا علي هذه الحالة، فتتفاعل مباشرة مع ما حولها.

ولمدة سبعين عامًا، حاول العلماء الحصول على هذا الجزيء بتقنيات عدة تشمل تفاعل الجزيئات مكونة بنىً أكب، فكما يقول «نيكو بافلتشك» – Niko Pavliček، أحد الباحثين في المشروع، إنه وبمجرد تخليق الجزيء فإنه يتأكسد. وقد تغلب فريق آي بي إم على هذه المشكلة باستخدام تقنية مختلفة، فبدلًا من محاولة بناء تركيبة أكبر من الجزيئات قاموا بتخليق بنية أولية كبيرة ومن ثم قصها.

وشملت تلك البنية الأولية ذرتي هيدروجين إضافيتين لجعل الجزيء مستقر ذريًا، ثم يقوم العلماء بتفجير الذرتين باستخدام شعاع الكتروني فيعود الجزيء إلي حالته غير المستقرة. كما تمكنوا من تصوير شكل الجزيء باستخدام مجهر المسح.

ووفقا لمجلة Nature يقول «تاكيجي تاكيو» Takeji Takui احد اعضاء فريق الباحثين من جامعة اوساكا سيتي :”بحسب علمي، هذه هي اول عملية تخليق لجزيء غير متبدل.”

تظهر هذه المادة الجديدة بعض الخصائص الفريدة وغير المتوقعة، فوُجد أن الإلكترونين المفردين في الجزيء ذي التركيب المثلث يغزلان بشكل متماثل، مما يعني وجود خصائص مغناطيسية على المستوى الجزيئي، كما يمكن الاستفادة من بنية الجزيء في الحوسبة الكمية وفي صنع أجهزة تعتمد على خاصية الغزل اللإلكتروني (spintronic devices).

ومن جهة أخرى، وفي إحدى التجارب التي استمرت لأربعة أيام، وجد العلماء أن الجزيء يصبح غير مستقر عند وضعه على أسطح من النحاس. ومن المتوقع أن يتفاعل الجزيء مع المعادن. وحاليًا يحاول الفريق معرفة أسباب عدم حدوث هذا التفاعل. حيث قال «جروس» في بيان صحفي :«لقد فوجئنا أن ما من روابط بين قد تشكلت الجزيء والنحاس، ونعتقد أن السبب في ذلك هو وجود الإلكترونين المفردين في حالة منفصلة».

ولازال هناك الكثير لنتعلمه عن جزيء triangulene. وكما هو الحال عند توضيح خواص أي مادة جديدة، ستتاح للفرق البحثية الأخرى معرفة المزيد حول الاكتشاف والتحقق من كون فريق آي بي إم قد تمكن بالفعل من تخليق الجزيء الثلاثي العنيد.

وعلى الرغم من أنه يجب دراسة ذلك الجزيء بمزيد من التعمق، إلا أن نشر التقنية الكيمائية التي طورها فريق آي بي إم سيساعد في اكتشاف المزيد من المواد ذات البنى صعبة التكوين.
بالطبع لن تكون هذه التقنية متناسبة مع كل عمليات التخليق الكيميائي فهي باهظة الكلفة وتحتاج وقتًا طويلًا، ولكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل الحوسبة الكمومية، فإن آي بي إم ستشارك في اكتشاف المزيد والمزيد من المواد، وسيعود ذلك بالنفع علي العلماء الآخرين واكتشافاتهم الأخرى.

تم نشر البحث بواسطة Nature Nanotechnology


ترجمة: فادي سامح روماني
تدقيق: أحمد اليماني
المصدر

اقرأ ايضا: