بفضل وجود أدلة جديدة على تكوُّن أكسيد السليكون أو الكوارتز في باطن الأرض سيتمكن العلماء من إدراك الغموض حول قدم عمر المجال المغناطيسي الأرضي.

ويشير هذا الاكتشاف إلى أن التحول في كيمياء الصخور المنصهرة التي تصعد إلى سطح الأرض، لها تأثيرٌ على المجال المغناطيسي، وإذا استمر تدفق المزيد من الأدلة فسيساعد هذا على فهم المزيد بشأن أطوار نظامنا الشمسي حديث النشأة والعمليات الداخلية لكوكبنا في لحظات نشأته الأولى.

ويتشكل المجال المغناطيسي المحيط بالأرض نتيجةً لوجود جزيئاتٍ مشحونةٍ تتحرك في نفس اتجاه تدفق الصخور المنصهرة والمتصاعدة من الباطن الذي يصل عمره إلى مليار سنةٍ أو ما يزيد، وفي مفارقة غريبة وفرَّت أبحاث سابقة أدلةً على تشكُّل المجال المغناطيسي للأرض قبل أربع مليارات سنة.

ووفقا لـ كاي هيروزي Kei Hirose، باحث في جامعة طوكيو باليابان، فإنَّ تشكُّل بلورات الكوارتز في باطن الأرض سيساعد في حل هذه المعضلة وذلك من خلال تغيير نمذجة مصهور الصخور العميقة لكوكبنا.

إذن ما الذي يحدث فعليًّا بباطن الأرض؟ عُرفت هذه المسألة بـ متناقضة باطن الأرض والتي تبين نقص معرفتنا فيما يخص مكونات باطن الأرض وعمر مجالها المغناطيسي. ويتلخص جزءٌ من هذه المشكلة في فهم حركة تيارات الصخور المنصهرة بفعل الحرارة من اللب الخارجي إلى القشرة، وتشير النمذجة الحاسوبية التي جرى تطويرها عام 2012 إلى كون الحرارة الناتجة تتسرب من خلال القلب الحديدي عندما تبلغ القدرة الكهربائية 150 وات لكل متر لكل درجة كالفن حيث تتشتَّت الحرارة بسرعة كبيرة مولدةً تيارات الحمل الحراري حتى تصل إلى الصخور المنصهرة المحيطة.

فربما لدينا احتمالان، الأول هو أن مجالنا المغناطيسي حديثٌ نسبيا أما القلب الداخلي للأرض وهو المسؤول عن توليد الحرارة فيبلغ 4 مليار عام أو أن شيئًا ما قد ساعد في الحصول على تيارات الحمل قبل 4 مليارات عام.

ولحل هذه المعضلة اقتُرِحت بعض الحلول التي تشرح كيفية انتقال الحرارة بطرق لم نتوقعها ولكن هيزوري اتبع طريقةً أخرى للحصول على إجابة حيث قام بدراسة كيمياء اللب الداخلي للأرض.

ويتشكل اللب الداخلي في الغالب من الحديد مع وجود بعض العناصر الأخرى مثل النيكل بنسبة 5% والسيليكون بنسبة 2% والاكسجين بنسبة 5%.

ويوضح هيزوري قائلًا ” “في السابق ركزت الأبحاث على عنصر الحديد فقط واليوم نقوم بالتجارب على سبائك تشمل الاكسجين والسليكون بداخلها والتي نعتقد في وجودها بشدةٍ ضمن مكونات اللب الداخلي للأرض.”

وحاليًا لا نعرف بوضوحٍ كيف كونت العناصر السبائك أو المركبات الأخرى في مثل هذه الظروف، وللحصول على المزيد حول كيفية تكون هذه السبائك قام هيزوري باستخدام قطع دقيقةٍ من الألماس لتوليد ضغطٍ مشابه للضغط المتولد في اللب الداخلي للأرض على كمياتٍ صغيرة جدًّا من الحديد والسيلكون والاكسجين، وللحصول على درجة الحرارة 4000 درجة C° قام بتعريض الجزيئات إلى شعاعٍ من الليزر مما تسبب في انصهار بعض أجزاء المعدن وتبلور بعض الأجزاء الأخرى وتحولها إلى كوارتز.

فإذا جرت هذه العملية كما افترض العلماء فسيغير هذا معرفتنا عن تركيب المواد الأساسية للب الداخلي للأرض وسيدلُّ على تغيرٍ في خاصية الطفو. بعبارةٍ أخرى كان الكوارتز هو العامل المساعد في عملية تقليب الصخور المنصهرة حيث تتشكل تركيبات السيليكون والاكسجين منذ ملاين السنين.

وكما يقول أحد أعضاء الفريق البحثي: “ساعدتنا هذه النتائج في فهم عملية تطور اللب الداخلي. كما أننا أصبحنا متحمسين للغاية حيث تشير تقديراتنا لمقدار بلورات اكسيد السيليكون لوجود مصدر طاقة جديد للحقل المغناطيسي للأرض.”

ولكن اكسيد السليكون ليس المتنافس الوحيد، حيث تقترح بعض الفرضيات أن السبب في استقرار الخليط المنصهر للب هو اكسيد الماغنسيوم. وفي هذا الصدد يقول ديفيد ستيفنسون، جيوفيزيائي بمعهد كاليفورنيا التقني، إن عملية ترسب اكسيد الماغنسيوم تحدث بشكل أسرع من نظيره اكسيد السليكون ولهذا فمن المعقول أن السبب الرئيسي هو اكسيد السيليكون.

ووفقا لإحدى الدراسات تحتاج الأرض المشكلة حديثا لدرجات حرارة أكبر من التي تنتج عن الماغنسيوم في اللب الداخلي وبناءً على ذلك يؤكد هيزوري وفريقه البحثي أن السبب يعود لوجود اكسيد السيليكون على الأرجح.

وفي كل الاحوال، فان فهم دور كيمياء اللب الداخلي في العمليات الجيومغناطيسية سيمكننا من معرفة كيف كونت الأرض الحديثة المجال المغناطيسي منذ مليارات السنين.


ترجمة: فادي سامح روماني
تدقيق بدر الفراك
المصدر

اقرأ ايضا: