عثرت ناسا على مركبة فضائية هندية كانت قد فقدت الاتصال مع الأرض منذ ثماني سنوات، تدور حول القمر.

اكتشفت المحطات الرادارية الأرضية التابعة لناسا إشارة المركبة الفضائية الصغيرة تشاندرايان -1 (Chandrayaan -1) التابعة لمركز أبحاث الفضاء الهندي (ISRO)، والتي كانت قد غادرت الأرض لتستقر في مدار القمر في عام 2008، وقد فُقد الاتصال بها في شهر آب/أغسطس من عام 2009.

قد تظن أنه سيكون من السهل إيجاد مركبة فضائية معرف أنها تقع في مدار أقرب قمر لنا، ولكن الأمر أكثر تعقيدًا مما يبدو.

إلّا إنه من الصعب تحديد موقع الحطام الفضائي الذي يقع في مدار الأرض بشكل دقيق، إذ بسبب الوهج الصادر عن القمر تكون التلسكوبات البصرية بلا فائدة عندما يتعلق الأمر بإيجاد الأشياء المفقودة حول القمر.

ناهِيك عن أن أبعاد المركبة الفضائية تشادريان-1 لا تتجاوز المتر والنصف (ما يساوي خمسة أقدام) من كل جهة، ولذلك بالنظر إليها من الأرض ستبدو أصغر من بقعة صغيرة حول القمر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن القمر مُغطَّى بمناطق تُدعى ماسكون (mascons) أو مناطق تركزات كتلية، والتي تمتلك قوة جذب أكبر من المعتاد.
من المعروف عن هذه التركزات الكتلية أنها قادرة على إخراج مركبة فضائية من مدارها بمرور الوقت، وفي بعض الأحيان قد تتسبب في اصطدام المركبة بسطح القمر.

ولذلك، على الرغم من أننا لم نستقبل أي إشارة من مركبة تشاندرايان -1 منذ ثماني سنوات، فبعد كل هذه المدة الزمنية من الصمت وعدم استبقال إي إشارة من المركبة، لم يكن هناك أي ضمان لبقائها في مدارها، وصُنِفت المركبة على أنها “مفقودة”.

ولكن، استخدمت ناسا تقنية رادارية جديدة لاكتشاف المركبة الفضائية المفقودة، بالإضافة إلى إظهار إمكانية تحديد موقع المركبة المدارية لاستطلاع القمر (LRO) التابعة لناسا والتي لا تزال نشطة.

تقول مارينا بروزوفيك Marina Brozovic -، عالمة رادار في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا (JPL): «كانت عملية إيجاد المركبة LRO سهلة نسبيًا، لأننا كنا نعمل مع الملاحين القائمين على المهمة وكان لدينا معلومات دقيقة حول موقعها في المدار.
في حين تطلب إيجاد المركبة الهندية تشاندرايان -1 أبحاث إضافية لأن آخر اتصال مع المركبة كان في شهر آب/أغسطس من عام 2009».

لإيجاد حل لهذه المشكلة، وضع الفريق أفضل توقعاته من حيث المكان الذي ربما تكون مركبة تشاندرايان -1 قد إستقرت فيه، وفقًا لآخر موقع معروف للمركبة.
أشار توقعهم إلى أنها ستكون في مدار قطبي على بعد ما يقرب من 200 كم (124 ميل) فوق القمر.

استنادًا إلى هذا التقدير، استخدام الفريق هوائي ضخم في مجمع غولدستون للاتصالات الفضائية البعيدة في كاليفورنيا لإطلاق موجات دقيقة لمسافة تقارب الـ 380 ألف كم (237 ألف ميل) باتجاه القطب الشمالي للقمر، ثم انتظروا حتى تنعكس هذه الموجات وترتد إلى الأرض.

كان الهدف من هذا هو كشف أي مركبة فضائية حتى ولو صغيرة بمجرد اعتراضها لمسار هذه الموجات – على غرار رسم خرائط لقاع المحيطات باستخدام الرادارات.

وهذا هو بالضبط ما حدث – اكتشف الفريق مركبة فضائية صغيرة قطعت مسار الموجات مرتين خلال أربع ساعات، وهي نفس الفترة المدارية التي كان من المُفترض أن تستغرقها مركبة تشاندرايان-1.

تابع الفريق الاستماع للأشعة المنعكسة عن المركبة الفضائية لتحديد المسار والموضع الجديدين بدقة أكبر. من المثير أنهم وجدوا أن المركبة بالكاد قد إنحرفت عن مسارها خلال الثمانية سنوات.

يقول رايان بارك- Ryan Park، مدير مجموعة ديناميكية النظام الشمسي في مَخبر JPL: « تبين أنه يتوجب علينا تغيير موقع مركبة تشاندرايان -1 بمقدار 180 درجة، أو نصف دورة عن الموقع السابق الذي تم تحديده في عام 2009.
ولكن عدا عن ذلك، لا يزال مدار المركبة له الشكل والميل المتوقَّعان

جدير بالذكر أن المركبة تشاندرايان -1 هي المهمة الأولى للهند إلى القمر، وكانت وظيفتها أن تقوم بعملية رسم خرائط كيميائية وجيولوجية.

الأمر الأكثر شهرة، كان وجود مسبار مُلحق بالمركبة وتم إطلاقه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2008 ليصطدم عمدًا بسطح القمر، مما أطلق كميات هائلة من الغبار القمري الذي يمكن للعلماء دراسته – مما وفَّر أول دليل ملموس لوجود مياه متجمدة على سطح القمر.

بعد عشرة أشهر، أكملت المركبة تشاندرايان -1 مهمتها، وقطعت الاتصال مع الأرض كما هو مخطط.

لا أحد يعلم كيف هو شكلها الآن أو ماذا كانت تفعل هناك في الأعماق المتجمدة للفضاء كل هذا الوقت، ولكن معرفة أنها لا تزال هناك هو أمر مُطمئن إلى حدٍ ما.

تخطط الهند الآن لمهمتها الثانية نحو القمر، تحت اسم تشاندرايان -2، والتي ستتألف من مركبة مدارية، ومسبار، ومركبة متجولة (rover)، لتنطلق تلك المهمة في أوائل عام 2018.

بالنسبة لمركبة تشاندرايان -1، ليس هناك الكثير الذي نستطيع فعله بالمعلومات المتاحة لنا.
ولكن تمثل عملية الاكتشاف الدقيقة للمركبة بالإضافة إلى المركبة المدارية LRO التابعة لناسا، إثباتًا لصحة مفهوم هذه التقنية الجديدة، والتي ستكون ذات فائدة كبيرة في السنوات المقبلة مع استمرارنا بإرسال بشر وتكنولوجيا إلى الفضاء الخارجي.

لا يقتصر هذا الأمر فقط على قدرتنا على تتبع المركبات الفضائية والبشر بشكل أفضل في الفضاء، بل يشير أيضًا إلى إمكانية مراقبة أفضل لأي مخاطر قد تتوجه نحوهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه من الرائع معرفة أن العلماء على الأرض قادرون على تحديد موقعك بدقة وأنت تغوص في أعماق الفضاء الواسع المتجمد.


إعداد: مازن ملص
تدقيق: وائل مكرم
المصدر

اقرأ ايضا: